• ×
الأحد 23 يونيو 2024 |

\"على السفح اياه\" ديوان جديد لحسن المطروشي

0
0
1484
 


\"على السفح اياه\" ديوان جديد لحسن المطروشي
الحنين والغياب والعزلة والطفولة ثيمات للنصوص


* قراءة: بدرية الوهيبي


صدر عن الانتشار العربي ببيروت المجموعة الرابعة للشاعر حسن المطروشي ( على السفح اياه) والتي تعرض هذه الفترة في معرض الشارقة ، تضم المجموعة 25 نصا متراوحا بين العمودي والحر ( التفعيلة) ..
اللغة والاحالات التاريخية لدى حسن المطروشي تتكىء على معرفة ومخزون شعري وثقافي ورؤيوي للشاعر اذ ان لغته لها قدرة فذة على ابتكار الصور الشعرية القادرة على التشخيص و التجسيد و البعد عن كل ما يسبب الغرابة أو الحوشية أ و التعقيد مما ينفر منه الذوق و الطبع العربي منطلقا ً دوما ً إلى ابتكار المعنى الذي يثري المضمون و يغنيه .
الشاعر حسن المطروشي ليس بحاجة الى شهادة حول شاعريته فهو يمتلك جمالية وشعرية ومخزون معرفي يخرج ليتشكل في النص وعمقه ..
شاعر يقترح حلولا جمالية لعالم يدرك في قرارة نفسه انه ينحدر الى الغياب والقبح ، لذا هو يغوي القصيدة لتكون برزخه بين ذاته المنفلتة وبين العالم الآخر الذي تركه بين الحنين والطفولة والطبيعة ..

ولعلني لفترة من الزمن اعتقدت ان هذا الشاعر يملك صندوقا سحريا تخرج منه الشخصيات التاريخية والاسطورية والطيور والنخل والطبيعة واللغة الساحرة في محافظة منه على الشكل الموزون والحر لنص حداثي بامتياز في شكل يحافظ على تراثه الكلاسيكي ..
في هذا العرض لهذه المجموعة اكتشفت قدرة هذا الشاعر على التجديد من خلال الشكل والمضمون الذي تحمله الدلالات الرمزية والفكرة في النص الشعري ..
* ثيمات عامة
قد لا اكون صائبة ولكن من وجهة نظري ان هذه المجموعة بشكل عام حملت ثيمة الحنين والغياب والعزلة والتشظي والطفولة ايضا .. وسنوجز من خلال القراءة التالية في النصوص :\" وضعت جبيني هنا
وتمددت ملء السكون،
كأعمى
لأنصت في هدأة الكائنات
لما قاله القبر للشاهدة \"


من كوة الوحشة الجميلة حيث يفتح دهليز الرمز والمشترك الانساني في تفاصيله الدقيقة والحياتية
\" كالسهم فلقت الظلمة
ثم هبطت لأقرع أقفال الأبدية \"

يستعيد الشاعر بدء التكوين والخليقة ، كأنه \" آدم\" الذي يهبط الى الأرض ، وتبدأ رحلته مع الصراعات النفسية والروحية ، الوحدة التي سيجها الانسان حول نفسه في كون ممتلىء بالحياة ، الهبوط هو النزول من أعلى الدرجات وقد يعني الشاعر هنا الولادة والمخاض حيث يخرج من الظلمة الى الحياة ليبدأ ( يقرع) ابوابها ورزقها ..

* رموز تاريخية واسطورية
ومن الموروث الديني \" آدم\" يستحضر لنا الشاعر رموز وشخصيات اسطورية وتراثية تتوالى دون ترتيب زمني فيقول :
\" أجهز راحلتي:
مصباح ديوجينو المتهالك،
حوليات زهير
عكاز القرصان الأحدب
صخرة سيزيف المنبوذ .. \"

هذا متاع الشاعر في رحلته للحياة وصراعه فيها ، فهو يحمل معه \"مصباح ديوجينو\" أو ديوجين أو ديوجينوس كما يطلق عليه وهو فيلسوف اغريقي يوناني عاش في فترة حكم الاسكندر المقدوني في اواخر الامبراطورية اليونانية .
كان ديوجينوس يحمل مصباحا مضيئا في وضح النهار ويمضي في الدروب لأنه يعتقد ان العالم مظلما حتى وان كانت الشمس ساطعة .

جاء ربط الشاعر بمصباح ديوجينوس المضيء نهارا لحاجته الملحة لنور يلتمس به طريقا نحو الحقيقة ، ثم (حوليات زهير )وهي نوع من القصائد عرف بها زهير بن أبي سلمى حيث كان يهذبها وينقحها في سنة واحدة ( حول ) .
و( عكاز القرصان الأحدب ) كي يستند على مشيه وتعبه اذا ما احدودبت السنين ، وهذه الصورة للقرصان هي الصورة التي حفظناها ورسمناها في أذهاننا من خلال القصص والحكايات والمخيل التراثي الذي كنا نتداوله ونراه في ( الكرتون) ..
و( صخرة سيزيف) وهو في الاسطورة \"محارب بارع وماهر يتميز بالمكر والدهاء وهو ابن ايولوس اله الرياح و كان ملك على سيلينا وقد ارتكب من الافعال ما اغضب عليه الهة لذا تعرض لاقسي واعنف انواع العقاب حيث اجبرته الآلهة على ان يدحرج صخره عملاقه الي قمة جبل وما ان يصل الي قمته حتي تنحدر منه الصخرة مره اخري وتسقط الي اسفل عند سفح الجبل فيعود مره اخري لدحرجتها الي قمة الجبل وما ان يصل الي قمته حتي تنحدر مره اخري لاسفل وهكذا يظل سيزيف في هذا العذاب الابدي \" . ولعل الشاعر يرمز هنا الى ان كل شيء في هذه الحياة مهما تكلل بالتعب والعمل يذهب بلا جدوى أي لا جدوى منه ..

صورة الحياة الاخرى
ثم يحاول الشاعر ان يزين وجه الحياة العابس ويكسيها ( زنبقتان لكسوة هذا العالم ، )
ولعل الشعر دائما يجعل من صاحبه ناظرا مجملا ومختلفا في رؤيته عن الآخر للحياة والطبيعة ، ولكن الشاعر هنا يقحمنا في الساسة والاحزاب والديمقراطية والحريات ، فنتساءل هل كان يكسو العالم زنبقتان حيث زنبقة للعالم الغربي وأخرى للشرقي ؟ أم زنبقتان للماضي والحاضر ؟ أم مثلما قال: أهتف للديمقراطية والأحزاب ، وهو ما انقسم اليه العالم العربي حيث اصبح العرب متأرجحين بين الديمقراطية والهيمنة الامريكية وبين التكتلات والاحزاب الدينيةو السياسية ويقف الانسان العربي بين نيرانهما كما يحصل في بيروت وبغداد الآن ..
أمتدح العملاء السحريين،
أعبىء كأسي بالتاريخ ،
أهيىء رأسي مائدة للسائل والمحروم ،
وأرفع عاصفتي فردا

آدم / الطفل
سأضج : وما خلق الزوجين الأنثى والمنفى
يامرجان الأسطورة
يارمانة هذا القفر
مري الخطّاء
يمت في المهد سلاما وبردا

وهاهو الشاعر يصل الى نقطة البداية حيث اسطورة آدم وهبوطه من الجنة ،كما نعرف ان خطيئته كانت الثمرة والمرأة وكيف ان المرأة تصنع المنفى وتخلق من قوتها هذا السجن الكبير الذي يلفنا ونلفه باحساس مزمن بالذنب والخطيئة الأولى هذه المرجانة وهذه الرمانة تتشابهان في اللون الأحمر ولكنهما تختلفان في الملمس والحياة ، هل الأنثى كذلك ؟ ثم يؤكد لنا الشاعر خطيئته ويجاهر بها فيقول( مري الخطاء) اعرجي على الخطّاء ( كثير الخطأ ) ، توارد قرآني وتوظيف ديني في غاية الابتكار ( وما خلق الزوجين الذكر والأنثى) ، ( بردا وسلاما) .. لم ينسى الشاعر ان ثمة صورتان وضعهما لبداية التكوين منذ بدء النص وتمحور عليهما حتى انه لم ينسى تضييع القارىء في النهاية حيث نقرأ التراث الديني وقصة سيدنا آدم ونذهب الى هذا المعنى فنتفاجىء بأن ثمة دلالة أخرى للظلمة/ الفردوس ، وهي الرحم/ المخاض ، فالهابط اما ان يكون آدم أو طفلا ( يمت في المهد سلاما وبردا) وقد يكون الشاعر متعمدا خلق هذه الربكة وهذه الدلالات ليقف القارىء حائرا بين معنيين ..

راهب الطرقات
ربما تأثر الشاعر في هذا النص ومن خلال مفردة ( راهب) ومن اطلاعه على الديانة المسيحية ، فالراهب هو المتعبد المخلص وهو القريب حسب المسيحية- ووسيط بين الله وعباده ، وهنا في نص ( راهب الطرقات) احالة الى التشظي والضياع والبعثرة الروحية حيث ان الطرقات تعني عدم الاستقرار والسفر والغربة .. يقول حسن المطروشي :
\" أفوض حزني الى الدرب،
ثم أفوض دربي الى الريح
أجمعكم من بطون القفار،
وأنصب خيمتنا أسفل الجسر،
في هذيان المدينة للعابرين،
وظلي ضريح تهيم به ابل شاردة
...
سأخرج في الليلة الباردة
أمر..
النوافذ لاهية،
هل سأحرجها لو سقيت القوافل
من ضوء نافورة،
أوتدثرت قبل الظلام بأغنية بائدة؟
....
هنا نسيتني الحمامة،
لا قمرا،
ياسماء دعيني على ضفتيك قليلا
دعيني لأهطل فوق هضاب الزمان الأخير
أنا راهب الطرقات العجوز
مضى باكرا يتتبع أسرابه العائدة .