 |
قسم فصيح متنوع هذيان الجبال والسّحرة |
لقد ذهبوا بعيداً صوب أنفسهم وذهبوا في الوحشة.
أيامٌ تتلوها أيام، الديارُ تضمحلُّ في عين عاشقها والجبال عرين الذكرى تفقسُ النسورُ بيوضها، الأقربَ إلى ألوان الرمالِ والصخور من فرط ما ارتطمت بالأزليّة.
ليس بيني وبينك أيتها الساحرة الولود إلاّ هذه الكثبان من الرمل أزمنة الجفاف واللعنة الأزليّة.
أزمنةٌ تتكدّس أمام بابي أزمنةٌ كواسر كأنما لم نكن نحن الذي قُدنا القطيع إلى متاهة الوادي والضيوف إلى الدار المقابلة وقدنا السيول إلى بحارها القصوى.
وقد مرّت شائعاتُ القرى أن رحل القادمون من البلاد المتاخمة ورحل الغجر متبوعين بأقمارٍ ونيازك
جبالٌ تتلوها جبال، هذه الأبديةُ من سراب الكائن أيّ أسرارٍ تخبئها في وجه كوكبنا وقد استحال إلى خردةٍ ورماد؟
جنينُ حياةٍ أخرى وربما هباء الأجيال وأحلامها الجبال الجبال مفازاتٌ من السراب والظل تنحدر على سفوحها الذئاب وبناتُ آوى في المساءات الكبيرة للقرى وللغزوات وينحدر على ثغورها صليلُ الحديد.
رحمةً بنا أيتها الجبال بيقين مرابضك وشعابك لم تكوني سبباً لشقائنا لكنك من تملكين مفاتيح الرحمة بتوسلات السلالة التي تعاقبت تحت سطوتك الممتدة حتى الرّبع الخالي شعوباً وقبائل تجرفهم الرمالُ والفيضانات ويبقى أثرهم الوحيد على سطح الكوكب المتلاشي في هذيانه
v v v
أسمع نفير الأقوام قادماً من فجاجه البعيدة أسمعُ نحيب الصُفْرد تحت الصخرة الكبيرة التي كانت ظلالُها تغطي البلدة بكاملها وكان الليلُ على منحدر النزول، حين كان السحرةُ ينادون الفلاحين، بالعودة إلى بيوتهم غيمةً بحجم سماء كبيرة تهطلُ مطراً وأحلاماً تبلبلُ نوام السطوح وقارة النخيل. مروحةُ الجبال سكينة الأفاعي.
أسمعُ الرعاة ينحدرون بأنايدهم نحو الهضبة محدّقين في الأبد الجارف للسيول
v v v
وكما تكرُّ الفصول عُلى الصحراء في شكل ذئبٍ وحيدٍ وفي شكل مئذنةٍ، تنحدرُ الرمالُ من الأفق الشرقي المحاذي لبلاد الأحباش حيث السحرة ينادون بعضهم بأسماء مستعارة لا أكاد ألمحُ جزيرةَ النّخل قرب مهبط العقبان. لقد فتكت بها الرياح الهوجاء وسامها البلى كديار أحبة غربت للتّو.
أسمعهم ينادونني باسمي المستعار، أن اغرب عن وجهنا لست منا ولسنا منك.
وقد ناديتهم قبل ذلك أمواتاً وأحياء أن اغربوا عن ... لكنهم ظلوا يحدّقون في جثتي طوال أزمنةٍ، ويغرزون مخالبهم العمياء.
وقالوا لك نَغْلَ السلالة وظلوا ينثرون الإشاعات حول قبر جدك. آنذاك احتدمت حرب القبائل من جبلٍ إلى سِيبةٍ تشاهدُ الموت معلقاً في قرون الأكباش، التي تهرج بثغائها نحو الأبراج. أتذكر حين ينحدر الرجالُ على الهضبات وفوق التلال، مختلطين بهدير الجبال ونواحِ بنات آوى غيمةُ الرصاص التي تجلد القرية من أعلاها حتى أقاصي الوادي الذي كان غزيراً ومعتماً أسلحةُ تمتطي الجمال والبغال تحت شمس آب الفائضة على الكون، وكانت المخلوقات تحتسي. حتفها، جرعةً .. جرعةً، من غير مواربة ولا دهاء حروب واضحة وقتلى في مجد الظهيرة.
ينادونني باسمي أن أخلع وردة رأسك، فأنت على أبواب الربع الخالي.. قتلى يملؤون الصالة ويشاركونني السرير وغرفة النوم حتى قنينة النبيذ آراهم يتآمرون في قعرها ويضحكون، محدّقين في جثتي بعيونٍ، يبدو من أشكالها، أنهم قدموا من كلّ جهات الأرض.
عيونٌ ملؤها الخيبةُ والتذكر وكنت اسمع نداءهم منذ الولادة يأتيني عبر قوس الأثير لطفولةٍ جبلية. أسمع غناءهم الصاعد من الأجداث طيوراً بيضاء تخيط سقفي.
طيورٌ عاتيةٌ وأليمةٌ: تلك أرواحهم في سفرها الليلي نحو الأحبة.
v v v
ينادونني باسمي أن ارحلْ من واحة الجنرالات فمثلك ليس نبياً ولا أوتي رأس الحكمة.
ها أنت في البيداء، ضارباً كبد الجمالِ التي فقدت صحراءها غارقةً في الوحل، الحقائبُ الجاثمة كغربان البين في انتظار قافلة لن تأتي، بطاقة السفر، التي رأيتها البارحة في نومك، وأنت تسأل المسافر الأسود، أيّ الطرق تؤدي إلى اليمن؟
الكلماتُ التي تتراقصُ أمام عينيك مثل ديكة الجن، وفي نومك تصرخ: مات دليلي وتقاطعت بي الطرق. الصحراءُ ماضية في غيّها في أيّ مدينة ستقضي هذه الليلة؟
أبوابُ العالم تخلعها الريح قبائلٌ ترتجفُ من الذعر وأخرى تنحدرُ نحو السفوح، محدّقةً في الأبد الجارف للسيل لن أنزل من جبلي فلا عاصم إلا الله.
v v v
تنقلب قليلاً، إذ ترى نفسك في حانةٍ على منحدرٍ مضاءٍ بالعتمة، وثمة عتّالون سُكارى يقصون أطرافك بمشارط صدئة جلبوها من مستشفى دمّرتها الحربُ. أصدقاؤك يضحكون، لعبةٌ مسليةٌ .. أليس كذلك؟
لكن المشهد بحاجة إلى ترميم كأن تطلع أفاعٍ من بيوت الجيران كانوا يربونها كالكلاب، تشخشخ في نومك وتلحس أطرافك المقطوعة. هنودٌ، يأخذونك، عبر المحيط ويقذفونك في (جوا)، مواكبُ سحرةٍ وبؤذيين وفيلة. نواحها يؤرق سكّان الخليج. لا تستيقظ هذا الصباح، تأخذ المظلة لتراقب أهل الكهف وكلبهم الذي افترسته أفاعي الجيران. تديرُ زر التلفزيون، تخفض صوت المذيع حتى خنقه وتود لو تستطيع خنق العالم بالطريقة نفسها، أو أي طريقة أخرى.
تنتشر الأبنية المسلّحة بأسباب القوة والضعف، لدحر فيالق الشمس، ناطحاتُ سحاب مضاءة بأسماء الذين نزلوا حديثاً من الجبال ومازال دمهم يسيل على البطاح، دليلُ السلالة الوحيد على إرثها الذي اقتلع من عروقه، ومازال الدم يشخبُ ويصرخُ وسط جلبة أبقار الهند وأسطح المباني المكتظة بأطباق التلفزة وغـــابة العيون المحدّقة في الفراغ.
v v v
الفجرُ، زارع الفتنة في هذه البقاع، فجرُ القتلة والعشاق عبر أضوائه الأولى، تزفر الجبال الهواء الثقيل كأنما تلد كوناً بكامله .. كوناً يسرح فيه البشر والحيوانات والأكاذيب، ويسرح فيه السماسرة الذين أتوا من كل بلاد العالم لامتصاص ضرع الأرض وما خلفته عظام حيوانات بائدة، يمضي الموكب في هذا الصباح الذي انفصل عن فجره الأول وأصبــــــح غريباً وفظاً وحارس ثكنات.
كلّ شيءٍ قابلٍ للبيع والشراء، كلّ شيءٍ قابلٌ للاندثار بسرعة وجوده وبسرعة لغط الألسنة الكثيرة وبكاء الأمهات على ضحايا الطرق التي تصرخ بنهمٍ، هل من مزيدٍ لهذا النهر من الدماء......؟ هل من مزيد لطبقاتِ الألم وهذا الوحش الكاسحُ بمفازاته وناطحات سمائه؟
شموسٌ كثيرةٌ، في كل منعطف شمس متحفّزة كذئبة جائعة... والخلائق تمضي بشماعة أملها الواهن، وسط لجج من اللاّفتات والحيل السينمائية. تمضي نحو القرى الرازحة في وحشتها القصوى تحت طوق الجبال بأشباحه وغزاته وشهبه التي سقطت للتو، بعد سفرٍ طـــويلٍ لتستقر في هذه القيعان المسترخية في حوض الأزل.
أهلها الذين تغيّرت أحلامهم ولياليهم وصاروا غرباء يلوذون بجريد النخيل أيام الجمع كأنما لآخر تعويذةٍ تقيهم الاضمحلال.
صخورٌ وأطوادٌ وأطباق فضاء، وأحاديث تشبه زجاجاً بمضغه متسكع في ليل مدينة منكوبة وجوهٌ ذابلة ونحيلة، محاطة بالأيام الخوالي وحروب الثأر؛ صار الموت يأكل من أطباقهم بشهيّة، من فرط المقابر التي نبتت عشوائياً، أو نزلت عليهم جائعة بطيورها وموتاها وجاثمة بالحنين.
لن نحاور ملوك السفحِ. ولن نقتفي أثر الرعاة الذين ما تزال ظلالهم مائلةً في السقف، كأنما نزلوا اللحظة، غاسلين أيديهم في مياه الفجر، ميمّمين شطر القرى المجاورة. أولئك الذين يمخرون عباب القفر ويتلاشون خلف السحب الجافة، تاركين أصواتهم تقود الليل الحائر بين أشجار السّدر، حيث كانت فئوسهم تحلم بالعودة إلى المنزل والسهر مع الساهرين، في ضوء القمر الكبير المزيّن بهالة مضطربة تشبه الجوهر المفقود للأشياء كلها، وللغياب كله.
تغتسل بمياه الصباح ونبكي، نغتسل بمياه العالم وقد شربناها ومازلنا عطشى. وكانت الطرق والمشردون، أسمعهم... يئنون تحت وسادتي، قادمين من الأزمنة البعيدة لمتاه الكائن، وكانت النافذة مفتوحةً على آخـــر العـــالم، ملتفّين حول بعضنا والبروق تحيط بنا من جميع الجهات، البروق الطائشة في هذا المحيط الذي يجلده الموج ويخور في جروف جبــاله كقطيع أبقارٍ أراقها الذعر فولّت أدبارها نحو الرمال الجـــارفــة للصحراء.
v v v
هذا الضبع الذي تلمع عيناهُ في الظلام، صديقُ السحرة الذين ألقوا أخي في غياهب الجبّ، تتسقط أخباره المتضاربة من أوفواه الأهالي. بعضهم شاهدوه مربوطاً على شجرة سُمر عارياً ووحيداً. وآخرون شاهدوه يسبح في الوادي، سارحاً في السيوح مع المواشي. أو شُوهد في أميركا تائهاً في الشوارع من غيروجهٍ ولا مأوى.
أيام تتلوها أيامٍ والانتظار ينهشُ جسدها وعيونها التي أصبحت بلا ضوء، حفراً مليئةً بالوحشة على الغائب الذي قُذف في خضمّ التيه، ربما ثأراً لإخوة قضوا بالطريقة نفسها وربما لبيعه في مدن أخرى وربما...
أيامٌ تتلوها أيام لا أثر للفقيد لا أثر للأم لا أثر للعائلة.. هذه القصة روتها جدتي ورواها مجنون القرية. أتذكّرُ اسمه، كان اسمه علي بن ساعد، لم أعد الآن أتذكّر غيرها، لم أعــد أتذكرهم حين كانوا يضرمون النار في الخيام، عدا الصارخة التي كانت تقفز من قلب الحريق نحو العدم المنتصب كعصا الأعمــــى، وحين كانوا يبيدون الأيام والليالي في صيـــد القطا والوعــول ثم يتعفنون في بطن الحكايات التي يرويها لاحقوهم من العجـــائز والمجانين.
لم أعد أتذكر شيئاً، عدا كوني موجوداً في زاوية ما من إبط هذه الميدوزا، أحكّ رأسي من بقايا القمل في سجن البارحة، أتحدث مع نفسي وأشباحــي الكثيرة التي تمرح سعيدةً، وتقفز كالجنادب تحت مطر الربيع الذي لم أذق طعمه منذ قرون.
المساءُ ينزلُ على المدينة يعقبه الليلُ والنهارُ أفلاكُ تقود بعضها كعميان شرسين ومجرات غاضبة على وشك الاقتتال، لا شك ستحصل على إثارة أكبر من حروب كوكبنا التي أصبحت مضجرة: يقول أحدُ أشباحي، وينطلق كالسهم نحو حانات الدار البيضاء. ويتمتم آخر: آه، مرّ زمن لم أذق فيه طعم التفاح أو أضاجع امرأة من الخلف في فندق هجره زبائنُ الصيف وبقيت صاحبته التي تحب النكاح من الخلف. ويصرخُ ثالث: لم يعد لي مستقرّ في هذا المكان، سأفجر ثورة في غابات الأمازون، وإذا لم أفلح سأحرق الهنود وأبقارهم وأغانيهم التي تزهق أعصابي في البيوت المجاورة.
ها أنا ألمح الذي مشت عليه الملايين قبلي وتبخّرت، ألمحُهُ من البعيد بحدبته التي تصل الغابة بالبحر، بعد أن أزهق التعبُ كياني، ألمحُهُ كمخلّص ينتظرني منذ الأزل، حيث أرتمي في الحانة المطلـــة على بحر الشمال الهائج، أشتمّ رائحة القراصنة والداعرات اللواتي آخذ في مغازلتهن بعد الكأس الخامس وأحكي لهن عن بطـــــــــولات وهمية وطقوس الختان والسحرة الذين يطيرون عبر القارات، حيث أجدُ نفسي في صباح اليوم الثّاني على سرير امرأة لا أعرف اسمهــــا أو شكلها، فأهرب متسلّلاً على أطراف أصابعي في الظلمة الحـــــادة، تحدوني رغبةً في رؤية الفجر وهو ينطلق، مرحاً أو كئيباً على جســر خلاصي، أن أراهُ يضرب بحوافره الضوئية أرض المدينة ويحملنــــي هكذا بين اليقظة والنوم، مخموراً، إلى مخبأي في الضفة الأخــــــرى.
|
|
|
| | |