 |
قسم فصيح متنوع كمن فقَد ضالّتهْ التي ضاعتْ منذ الأزل(3) |
كمن فقَد ضالّتهْ التي ضاعتْ منذ الأزل(3) ارتاحت الآلهة للذبيحة تنسّمت هبوبَ الدم المراق حتى (إنليل) الأكثر عصبيّة واندفاعاً بين الآلهة هدأ رَوْعه، وأدرك خطيئة الإفناء الكامل الذي بموجبه سيعيش بعيداً عن مخلوقاتِه وضحاياه.. ماذا سيعمل برهةً احتدام الضجر والوَجْد العدائي؟ بمن سيفكر مبتكراً - باستمرار- طُرقاً جديدةً للخلْق والتدمير، تلك الصفات، أو للُعب المسلّية، ربما حدّس الإله الأسطوريّ أن في ضحاياه بعض شَبَه منها، وأنها ستكبر مع الزمان.. كان ذلك مبكراً في عمر الآلهة والبشر.
* * * هناك في (هرمجدون) قريباً من بيت لحم، قَدِم الملوكُ والقادة والرموز، الأسلحةُ والجيوش.. من كل الأقاصي والأصقاع احتشدوا لخوض المعركة القياميّة الأخيرة، التي سيختفي على أثرها العالم من سطح البسيطة ويسود الهدوء... لكنّهم خلال ذلك المدّ الهائل للأقوام وهم ينصبون المنصّات العملاقة للمذبحة، وجدوا أن العالم قد انتهى قبل وصولهم بزمن طويل، افترسَ نفْسَه عبر تاريخه المسترسل في الهدْر والنزيف. فكان ذلك الارتطام المدوّي عجزاً ويأساً لشهواتِ الدم الأكثرَ أصالةً وميتافيزيقيّة في الخَلْق. أخذوا يشربون النبيذَ المعتّق لمدينة المهد بوجوهٍ يملؤها الدمعُ والمخاط لهذه الخاتمة اللاملحميّة البائسة.
* * * يحفر النيزك في الأعماق المتصدّعة مجراه ناثراً بذرةَ الحياة
* * * لستَ وحدَك من أتى إلى هذا العالم ولا من يذهبْ الأمم جميعُها عبرتْ هذا الصراطَ الفاصلَ بين الرمضاء والجحيم..
* * * تتوالى الأيام واللحظات كما الكلمات والأحرف في صفحات كتاب ألّفه الأقدمون قبل آلاف الأعوام.
* * * البارحة رأيتُ فيما يرى النائم أنني مريض وحلقي ملتهب باحثا عن طبيب في بلادٍ بعيدةٍ أجدّف في الموج العارم للذكرى: فتاة السطوح أضحتْ عجوزاً عصْبة اليمنيّين الذين يشكّلون كلّ يوم مسودّة حزب في (زهرة الدفلى) لم يعودوا والبَسْطاتُ الصاخبة للشارع حيث زوجات الباعة يتبادلن الخيانات تحت المصاطب توارت إلى الأبد.. من ركام هذا المشهد السديميّ ينبثق جمال عبدالناصر راكباً على حنطور متحدّثاً إلى كائناتٍ لا مرئية عن التاريخ: ما هو التاريخ؟ هل هو مضادات حيويّة أم سوائل مثلّجة يشربها سواح بلهاء أمام متحف التحرير؟
* * * لا تستطيع المرأةُ أن ترتق هذا الثوبَ، لقد كبر الخرقُ حتى وسع العالمَ أحياء وأمواتا.
* * * المملكة السبئية المزهرة وقبلها إمبراطورية سليمان الحكيم الذي نفى الهُدهد إلى قوم من غير جنسه كأقصى حالةٍ للعِقاب.. ثمة ستة قرون تفصل بينهما، لكن اللقاء السحريّ بين الملك وبلقيس فتح لنا خزائنَ الجمال والسر التي ينوءُ بها فقر الواقع والتاريخ
* * * في ذلك الصّقْع البعيد الحياة مؤجلة والموت كذلك وبين فراغين هائلين ثمة ثقبٌ لا تاريخَ له دأبتْ فيه المجرّاتُ على التناسل والكلابُ على النباح. ويمكنك أن ترى الأفق من ذلك الثقبِ لكنك تسقط ثانيةً في أتونه الملتهبة.
* * * الموجة ترتطم بالشاطئ يقفر منها سِرب أسماك مضيئة الموجة الأكثر جدارةً بالحياة تعبر منذ ملايين السنين الضوئيّة لتضمحل لحظةَ الوصول
* * * من قلب المذبحة من معتركِ المحنة من الأيام التي أضحتْ بلا أصدقاء ولا دليل يهربَ الطائرُ حاملاً في منقاره خرائبَ ومفازات بحثاً عن واحة ظل منسيّة
* * * إلى صبحي حديدي القهوةُ رائحة القهوةِ من جديد على إيقاع فجر العاطفة مع الرشفة الأولى: ثمة صيّادون في عَرْض المحيط يسحبون شباكاً مليئةً بالصباحات والمدُن بالورود والملائكة والشياطين بانبلاج الحرف الأول من غَبَش الجملة العصيّة، في ليل دمشق العريق. بالدخول الأوّل في حفرة الأنثى وهمهمة الرعد. مع الرشفة الأولى ثمة فلاّحون مع نسائهم يمرحون في الحقول النائية للقامشلي
* * * آهٍ... هذا الذي يفصل بيننا ليس المسافة المقدور عليها بالتأكيد وليس... هذا الساقط من الأعلى أو من الأعماق السُفليّة آهٍ... أرخبيل الموتى منذ الطوفان الأول يلتفّ علينا، تنانينَ هائجة في ظهيرة الربع الخالي أم نزيف الأبديّة في الجبال؟ اليد لا تستطيع التلويح والقُبلة لا تقوى على الظهور القُبلة المتجمّدة في الهواء كدمعة في محجر تمثال محطّم. ما هذه الحفرةُ الهائلةُ من الفراغ والظلام؟
* * * بين جبل وآخر بين وادٍ وواحة نخل ناعسة، تتناسل هاوياتٌ وأشباح كأنها المخطط الأول للخليقة.
* * * على آخر نفحة في الموسيقى تلك القادمة من إيطاليا على أجنحة الأثير المضطرب أو من أرض (موتسارت) حيث الأبقار ترعى هانئةً في الحقول والنسوةُ يتدثّرن بمعاطفَ ثقيلة، يستيقظ من نومه يستقبل هديّة اليوم الأوّل للحب متنزهاً على أرض طفولته القصيّة، زنبقة يفيض أريجُها على صباحٍ يدلف الأعماق.
|
|
|
| | |