• ×
الإثنين 15 يونيو 2026 | 03-01-2013

حوافر الشعر في حضرة الحداثة الشعرية للكاتب محمد بلعباسي

حوافر الشعر في حضرة الحداثة الشعرية للكاتب محمد بلعباسي
0
0
330
 حوافر الشعر في حضرة الحداثة الشعرية
أ/ محمد بلعباسي
أستاذ بجامعة الشلف بالجزائر


حوافر الشعر عاشرت الشعر في مضجع واحد في كل أقبيته الإبلاغية الإنسانية عبر مسيرته الطويلة بل لعلها الهاجس الأكبر في تصيد الشاعر لها في رسم لوحاته الشعرية لما لها من سحر في وقفاتها الصامتة الصائتة أو الصائتة الصامتة التي هي حزمة صوتية تتألف من حركات و سكنات تنثال على أواخر أعجاز الشعر بأوعيتها التطريزية التطريبية أو هي إيقاعات وحركات موزونة معدودة محدودة معقودة بأواخر الأبيات أو الأسطر الشعرية.
إنّ الهوس التجريبي الذي ساد المواقف الشّعرية العربية الحداثية الدارسة له أفقيا وعموديا في بنيته الفوقية و التحتية، يلح علينا التماشي مع روح هذا التجديد ومتطلباته بروح النشوء و الارتقاء، خاصة ونحن نعلم علم اليقين أن الشعر كائن متطور بلغته الثريّة المطاطة التي تتماشى مع كل وافد جديد.

ولئن تسللت الروح التجديدية في سؤر التجارب الشّعرية العربية، فإنّنا سنحدث بأخبارها على مستوى القافية ، محاولة مني في هذه الدراسة إبراز موقعها وواقعها بفن المنجازة الإيقاعية.
إن التلوينات الصوتية المختلفة للقافية لا تقتصر عند المعالجة الأدائية للصوت علما أن قوام القافية وحدة الجرس والحروف الصوتية هي التي تؤلف الجرس فالقافية هي المجانسة الصوتية للحروف ، فما يمثله اللون للعين يمثله الحرف للصوت ، فالجمال فيها يكون بترتيب هذه الألوان ترتيبا أخاذا كما أن ظهورها واختفاءها يرجع للحالة الشعورية المنفعلة و المفتعلة للأساليب التعبيرية فتتخذ من اللغة بمستوياتها المتباينة حقلا خصبا تنهل من عطائه ، وتستمد من تفصيلاته ما يغني مساحات توظيفها ، ونطاقات عملها في التجربة الشعرية الواحدة أو المتعددة أين تتعاضد مع البنية الدلالية في هندسة معمارية القول الشعري لتؤسس الهياكل الجمالية العامة في إطارها الأدائي الذي يظهر عليه النص الشعري.

وعليه فإن القافية ركن ركين من أركان الشّعر العربي القديم، معقودة بأواخر الأبيات ،هذا ما يعين على اتساق النغم التعبيري، هذا التماثل والانسجام الذي تخبه وحدات الأبيات المسماة بحوافر الشعر، لما لها من تأثير سحري خاص، خاصة وأن الأذن العربية آلفتها في تحسس إيقاعها والتفاعل معه، فهي مائزة الشّعر من النّثر [لأنّه قد يقع الوزن الذي يكون شعرا في الكلام ولا يسمّى شعرا حتّى يقفّى، فلذلك حرصوا على إيضاح القافية وألزموها].

و من ثم اتجهت العرب بفطرتها إلى هذا التوافق بين أواخر الأبيات، حتى يتم التأثير في السامع بالتراكيب القويمة، والوزن الموسيقي، والختام المنسجم، وعليه فـالقافية شريكة الوزن في الاختصاص بالشعر، ولا يسمّى شعراً حتى يكون لـه وزن وقافية لهذا قالوا: الشعر هو الكلام الموزون المقفى.

[ والقافية في العروض الخليلي، علامة الإيقاع. هي صوت متميز يدل على مكان التوقف لكي نتابع، من ثم، انطلاقنا. وقد أصبح وجودها أكثر أهمية مما تعني. صارت شكلا لا بد من الحفاظ عليه.] هذا القول هو العلامة والشاهد الذي يَجُّب شعرية القافية في بنية الشعر العربي كونها تعد أحد مقومات هذه الشعرية، فهي ركن في القصيدة، ولا نجد ناقداً عربياً قديماً، نفى أهميتها في الشعر، بل أن الوزن عند العرب أعظم أركان الشعر فمنحوه خصوصية وتميزا ، وهو مشتمل على القافية، وجالب لها ضرورة التبدل والتمكن والتلون والتشكل؛ فهي وسيلة لإبراز الإيقاع، ففي منظورهم القافية- ليست وسيلة تطريبية فحسب ، بل هي عملية معقدة لارتباطها بالإيقاع ، وفسروها على أنها هي الوزن لأنها مخضبة بالجانبين الفزيولوجي و النفسي في العملية التكوينية للبيت الشعري. ومن ثمة فإن [القافية وحدة موسيّقية لها أشكال مختلفة، أي أنّها تنسيق معيّن لعدد من الحركات والسّكنات، وأنّها لذلك لها طابع التّجريد للأوزان، أمّا الروي فلابدّ أن يكون حرفا من حروف الهجاء لا يدخل الإطار الموسيقيّ إلا من حيث صفاته الصّوتية وماله من جرس].

الشاعر المعاصر لم يجعل القافية محجلة بأصوات رنانة تتكرر هي عينها، بل صيرها نغمة عذبة متنوعة إلى غير نهاية مما يزيد الإيقاع بريقا وقوة فبذلك تصبح نوعا موسيقيا غير مستقر في وظائفه الأدائية في التعبير الشعري [ إلا أن هناك أنواعا أخرى من القوافي، كالمتسلسة والمتآخية والمستديرة والمتوجة ،كانت تحدث للأذن و الفكرة معا مفاجآت جميلة] ،حيث تتشكل بزئبقية هيولية لا يمكننا القبض عليها ، إذ تتشكل تارة وفق نظام المتحرك والساكن ، وتارة وفق قانون التجريد الوزني ،منضافا إليه صوت حرف الروي.
القافية في تشكلاتها سواء أكانت موحدة أو متعددة متنوعة ، تكون بنت شرعية للهواجس والوساوس الانفعالية حيث [ تخضع شأنها شأن كل أدوات الشاعر لمقتضيات التعبير وضروراته والتي تختلف من قصيدة إلى أخرى، وعلى هذا الأساس يمكن النظر إليها بمعناها الواسع على أنها لا يمكن أن تكون موحدة كما لا يمكنها أن تخضع لنظام ثابت] .

لا أجانب الصواب في اعتقادي- أن القافية هي الأداة التلفظية الخاصة ،المتميزة بالعناصر الصوتية المشحونة بالوحدات الزمنية الجرسية، التي تجعل الحرف الواحد إيقاعا مستقطبا لتفاعل العناصر الشعرية الأخرى، هذا ما يؤهلها إلى التشكل بطريقة أحادية أو ثنائية أو ثلاثية وحتى الرباعية و الخماسية.

فهي تنفيذ وأداء احترافي في صناعة الشعر وصياغته، كما أنها تميط اللثام على ماهية الفكر المبدع والتغلغل فيه، فتكشف بجسارة عن التماهيات المنحدرة الشديدة الانزلقات، ها هنا يتقدم إلينا الفنان على أنه رجل صانع، يخلع على مصنوعاته طابعا إنسانيا جديدا، ويقدم إلينا نتاجه الأدبي حيث يكون الفن من باب الصناعة أو العمل الذي يستله من جدار الصناعة تندلق فيه حالته النفسية.
إن الانضباط التقفوي يشحن الوظائف البنائية في العملية الأدائية للتشكل الإيقاعي ، بأيقونات صوتية متجانسة المأخذ حيث تمنح كل المسوغات التي تنهض عليها الفاعلية الشعرية فتنتح بذلك [بعدا من التّناسق والتّماثل يضفي عليه طابع الانتظام النّفسي والموسيقي والزّمني] ولا يتوقف فتوقاها في حدود هذا النجد بل تتدخّل في صلب هندسة البنية الدّاخلية للإبداع الشّعريّ، فهي بحق ركن ركين في التقاط النبرة الصوتية في عروق التجربة وتمكن المتلقي من التذوق و الاستجابة معها.

من المسلّم به أن استعمالات القافية تماثل صوتي نغمي يشع بثراءات إيقاعية ودلالية ، فاللطافة فيها تكمن في حملها للمبدلات الدلالية و الإيقاعية . ممّا يجعلها خاضعة لقانون إيقاعيّ منتظم، وبهذا فإنّها[هي التي تحدّد نهاية البيت، بل نهاية البيت هي التي تحدّدها] فهي بذلك لها محلّ من الوجود قبل حضور النّص الشّعري، بل تظهر من خلاله وتعوّل عليه، فوجودها من وجوده، وعدمها من عدمه، فهي ببؤرتها الإيقاعية تشكّل نقطة تركيز وتدعم أركانه وحركته الإيقاعية الدّاخلية في سؤر التجربة الشعرية.

سكنت حوافر الشعر كل عمارة شعورية على اختلاف هندستها فإذا ألفنها في شعرنا العربي على امتداده متصلة بكل بيت ثم بدأ التنويع في تشكيلاتها بدءا بشعراء المهجر ثم شعراء التجديد في تمردهم و انفلاتهم، من ربقة الانقياد وراء الموروث التقفوي الموحد القديم [ لأن الإسراف في التجانس بشع في الشعر و الموسيقى جميعا] تعددت استخدامات القافية في الشعر الحر هروبا من أقمطة الرتابة لأنها إذا كثرت ثقلت وخفت موازينها ،وسعيا إلى استثمار كل الممكنات التقفوية المحتملة؛ فـ [ المتفق عليه أن ليس في الشعر الجديد نظام معين للقافية فالمعروف أن القصيدة الجديدة لا توحد روي الأبيات إلا في حالات نادرة وأنها لا تخضعه لنظام رتيب. و المعروف أن الأضرب في القصيدة الجديدة تتنوع دون نظام معين يحكم هذا التنوع. وإذن فالقافية بمعناها الواسع ليست موحدة، ولا تخضع لنظام ثابت].

هذه التوظيفات التقفوية المفاجئة في تيار الشعر الحر تعقد الإيقاع بمناوراتها القوية اللبقة الجديرة بهذا العصر وما يحمل من شحنات ممغنطة سياسيا واجتماعيا في تصفيفها وتقصيبها وتزيينها ، وهو لم يأتي اعتباطيا ولا وهما لأن الاطراد في الإيقاع يولد الرتابة و الانكماش فالمباغتة في الأداء التوظيفي لها تنبؤ بالحركة النفسية الجديدة الناقلة لحرارة التجربة الشعرية، فالقافية القديمة نهضت عائقا كبيرا في طريق هذا الفيض الشعوري المتنوع الجانب [ فهي برغم سحرها وإثارة نهايتها ، يقف عندها خيال الشاعر لاهثا. إنها اللافتة الحمراء(قف) حين يكون في ذروة اندفاعه وانسيابه فتقطع أنفاسه، وتسكب الثلج على وقوده المشتعل وتضطره إلى بدء الشوط من جديد] تأسيسا على ما تقدم يمكننا اعتبار القافية كتلة جامدة إزاء القذف الشعري الحار المتحرك الذي يسكت النفس الشعري ولعل نازك كانت السباقة إلى ذلك حين رأت بـ [أن القافية الموحدة قد خنقت أحاسيس كثيرة ووأدت معاني لا حصر لها في صدور شعراء أخلصوا لها].

والشاعر في منظور نازك قادر على تأسيس ضوابط إيقاعية بصبغة جديدة متجددة يستمدها من الأوعية الاستشعارية لعصره، بفعل حساسيته وحساسية عصره المتغيرة ، كما يجدر به أن ينتفض على كل ما هو قديم بال الذي صار حجرة عثرة في طريق الحرية الأدائية التعبيرية . ولكن هل في هذه الانتفاضة دعوة إلى بتر القافية نهائياً أم دعوة إلى التخفيف من قيودها نسبيا ؟

إن نازك لا تسع في اعتقادي إلى هدم الهندسة المعمارية القديمة- بالرغم من تضارب أرائها المتناقضة - وإنما ترمي إلى ترميمها انطلاقا من إيجاد معادلات موضوعية في الجدار العروضي توائم نفسية الشاعر و خصوصية حياته الجديدة المتجددة.

ولعل بدر شاكر السياب يذهب إلى أن ثورة الحركة الشعرية ليست ثورة على القديم لأنه قديم بل تجاوز للفاسد وتطوير للصالح. ويرى في ثورة رواد الشعر العربي الحر على قيود البحور أو القافية الموحدة امتداداً لثورات سابقة فيقول: [ إننا فعلنا شيئاً شبيهاً إلى حد ما بما فعله الشعراء الأندلسيون حين كتبوا الموشحات. كانت الموشحات الخطوة الأولى إلى الأمام وقمنا نحن بالخطة الثانية بعد أن مهد الطريق لنا إليها شعراء المهجر الذين تكثر أسماؤهم عن أن أعددها الآن ].

في خضم هذه المغامرات النقدية يبرر السياب موقفه في عوامل إذ يرى أن [الثورة الحديثة على القافية تتماشى مع الثورة على نظام البيت. لقد أصبح الشاعر الحديث يطمح إلى جعل القصيدة وحدة متماسكة الأجزاء بحيث لو أخرت وقدمت في ترتيب أبياتها لاختلت القصيدة كلها، أو لفقدت جزءاً كبيراً من تأثيرها على الأقل فهل يسمح الشاعر الحديث للقافية أن تكون حجر عثرة في سبيله هذا؟ ].
ويعود السبب الأخر إلى [أن الشاعر الحديث مطالب بخلق تعابير جديدة، إن عليه أن ينحت لا أن يرصف الآجر القديم. لقد شبعنا من تلك القوالب التي تفرضها القافية عليه كالجحفل الجرار، الشفير الهاري، النسيم الساري، الصيب المدرار، هذه الصفات والموصوفات التي يجمعها بحر واحد وروي واحد ].

إن انتفاء النمطية الإيقاعية هو التمثيل الحسي لحركة التجربة الشعرية، في صعودها وهبوطها في مدها وجزرها؛ وهو ما يفسر التدفق الإيقاعي عبر نهاية السطر أو الجملة أو المقطع، أو نهاية النص الشعري بأكمله و عليه [ما يؤكد على الوقفات الإيقاعية المتكررة بشكل متوالٍ، كما يفسر إلغاء القافية أو تنويعها أو تغيير مواقعها من النص، بحيث لم تعد تأتي بالضرورة في نهاية الأشطر الشعرية. أي لم تعد القافية تعني الوقف الإيقاعي بالضرورة، على النحو الذي كانت عليه في الشعر العربي الكلاسيكي].

هذا ما أهل القافية على انفتاحها على احتمالات ووقفات إيقاعية لا تتوقف على قانون التوقع وحده بل على قانون المفاجأة للقضاء على حالة التخدر الرتيب فتجاوزته بامتياز في جعل الشكل الإيقاعي التقفوي الحداثي مفتوحاً على توقيعات ثرة لا تحصى .

إنّ حداثة الشّعر العربيّ حينما ضحّت بالبناء الهرمي العمودي وصرامة القافية وجدت عزاءها في معادن فنية كتوظيف لمعين الوزن الشّعريّ بكلّ طاقاته التّوقيعية والتنويع والتوزيع اللاعاي للقافية المُعادي للمألوف وعليه فإن حوافر الشعر ما هي في جوهرها إلاّ عودة صادقة إلى احتمال البدايات الشّعرية العربية الضبابية، فهل هذه التوظيفات المتعددة تعد شيخوخة هذا الفن وهل هي الردة إلى طفولته؟