قراءة في ستائر مسدلة لحنان المنذري
02-17-2012 12:35 صباحاً
0
0
358
![]() | ![]() | |
قراءة في ستائر مسدلة لحنان المنذري للكاتب محمد الطويل ستائر مسدلة هي عنوان لمجموعة قصصية للكاتبة حنان المنذري الصادرة طباعتها عن دار الانتشار العربي .. بالتعاون مع البرنامج الوطني لدعم الكتاب. عبدالرحمن منيف يُعرف القصة القصيرة بالتالي: \" أن لا تكون القصة القصيرة متناً ملائماً لقراءة السيرة الذاتية للكاتب ، وهي البارقة ، أي ما يشغل الكاتب نتيجة انفعالات أو مفارقات يمليها زمن قصير قد لا يتكرر ، وهي كالشعر إما أن يقبض عليها أو أن تتبدد وتتلاشى\". انتهى . المجموعة القصصية للكاتبة حنان اشتغلت عليها بحيث وظفت كل طاقات الكلمة فيها كما أنها عرجت إلى السماوات متخذة من الخيال الخصب مدى تسبح من خلاله وتحلق بعيداً فتارة بين الوجع تراها وتارة أخرى منذورة للنذر وبين كل قصة وأخرى حكاية تختلف ولا ترتبط بما قبلها، بل تجسد كل قصة ذاتها وبأشخاصها وفكرتها وهذا يعطي مؤشراً على أن الكاتبة لها من الخيال ما يمكنها من الكتابة مستقبلاً في قصص قد تكون أبعد حتى من حدود الخيال . الوجع متعدد لدى الكاتبة ومتنوع فمنه وجعاً ومنه الضحك على الوجع، الضحك بكاء، تبدو الذنوب مضحكة، أبكي ضحكاً في وجهك .. هكذا هي البدايات لدى حنان كررت فيها الضحك بطرق مختلفة لكنها لم تتكرر في المعنى ليحمل كل معنى من الضحك لدى الكاتبة توجساً آخر ومعنى مختلف فمرات بكاء ومرات يكون ذنوباً وكأن الكاتبة تعمدت أن ترسم الألم بأكثر من طريقة، لكنها تتقاطع كل تلك الضحكات عند نقطة واحدة أو عند لون واحد وهو لون السواد المطرز بالألم. تسرد الكاتبة القصة الأولى في شخصية نسبت ربما على الذات الحاضرة أو الغائبة وقد باشرت تلك الشخصية عملها مع زميلاتها في خياطة البناطيل الجينز ( وهنا خصصت الكاتبة أو حددت نوع العمل وحصرتها في البناطيل الجينز ) إلى أن تصل وزميلاتها إلى حالة من التعب والنوم على طاولة الخياطة بينما فريق عمل يزور مع صاحب المصنع فيجد كل العاملات وقد أخذهن السهاد . تم أخذ تعهد على كل العاملات بعدم العودة إلى النوم في مواقع العمل عداها .. التي لم توقع على تلك المعاهدة فكان مصيرها التسريح من العمل لتجد نفسها في الشارع بلا عمل. من هنا كانت بداية المجموعة القصصية لتأتي وفي القصة التالية (حب) . (حب) القصة التالية يختلف أسلوب الكاتبة فبعد أن كان المجهول هو الأداة المحركة للشخصيات تذكر هنا أسماء الشخصيات الحاضرة التي اتخذت من خديجة صديقة لتكون هي حسنة التي تجازف من أجل خديجة وتضطر للذهاب إليها بعد منتصف الليل بعد أن هاتفتها والبكاء الشديد يغلف صوتها . أظن بأن الكاتبة قست على نفسها أو على القصة حينما أتت على ذكــر كلمة (السرقة) حيث تقول: (وبخفة سرقت مفتاح سيارة والدي من جيب دشداشته) . وأظن لو استخدمت كلمة غير ( سرقت ) ذات معنى دلالي أخف ثقلاً على القارئ لكان أجمل كي لا تؤثر تلك الكلمات الرنانة على النص الأدبي ولا على المتلقي. كما أن الكاتبة قد بالغت في ذكرها (قصة حب لا تحدث إلا مرة واحدة في كل قرن) . في إشارة إلى وصف العلاقة بين خديجة وناصر الذين كانت تربطهما مشروع علاقة حب لم تكتمل . القصة الثالثة . \" أمي تسكن غيمة . عنوان جميل يحلق في الفضاءات الممتدة ويحدده إطار رائع تمثل في (الغيمة) وهي إشارة إلى الروح الحاضرة رغم المسافة بين الغيمة والأرض لكنها إن أمطرت جعلت من المطر خيوط اتصال، كما أن ذكر الغيمة في العنوان دلالة على عدم الثبات وبأن تلك الروح تأتي مزاراً وتغادر دون أن تستقر على حال أو تدوم ففي بعض الأحيان أصبحت ماضٍ غادر دنياها ولكنه لم يغادر ذكراها إذ تقول : ( كأني ألمحها في اللحظة الآنية، هناك في بيتنا القديم ). في هذه القصة تسرد الذكريات نفسها إبتداءً من الحنين إلى الأم وانتهاءً بروضة الشرطة وبعمر وبكاؤه الذي يهز تلك الروضة ..ذكريات مغلفة بألم رغم وشوشات الغيم وهفهفات النسيم . لقد أبدعت حنان المنذري في قصصها وحلقت بعيداً في خيال منفرد من خـلال قصتها (تراب اوزل) وقصتها شبيهة بقصص ألف ليلة وليلة إذ حكاية الفقر والملك أرقطه والحكيم بيسان والعالم نوفل والأرض الخراب التي آمن أهلها أنهم منتقلون منها إلى كوكب آخر بعد أن أمرتهم البلورة بهز أرجلهم اليسار وضربها على الأرض بقوة حتى انشقت وبلعتهم وبهكذا فعل نجا العالم نوفل من قطع رأسه فقطع رأس الجميع بمن فيهم الملك والحكيم . قصة نهايتها ساخرة وجميلة بعيدة بخيالها تؤكد اجتهاد الكاتبة عليها . ( ماء ) قصة جديدة مشوقة هي الأخرى وهادفة وبها رؤية قد تكون الأقرب إلى الواقع لدى البعض ممن يؤمنون بالشعوذة أو الدجل أو ممن يسعون إلى تصديق الإشاعات تاركاً وراءه الطب الحديث والعلم وما توصل إليه من أسلوب علاج أمراض مستعصية ليدرك بعدها أن الشافي هو الله وأن المرض لا يعالج هكذا... ليكون المرأتين والثلاثة رجال هم رمزاً لكثير من أولئك البشر الذين يقفون طوابير خلف الوهم والعلاج العبثي ويستنزفون من جيوبهم فوق طاقتهم وفي النهاية لا يستفيدون . هكذا كان ( الماء ) قصة يقصد بها حراك واقع ملموس ومعاش . ملاحظتي أن الكاتبة ذكرت في بداية القصة أنها كانت تجلس على حصير تآكلت أطرافه ، بينما تقول في النهاية : \"أنقش السجادة التي أجلس عليها ؟! . وجميعنا يعرف ما الحصير وما السجادة على الأقل هل تقصد الكاتبة بلهجتنا الدارجة أم جمعت بين الاثنين ؟ . ومن الماء إلى ( المدمنون ) تأتي بها حنان في قصة من يقرأ عنوانها يظن أنه الإدمان غير المرغوب فيه ولكن من يتوغل في القصة يجد أنه (الحليب) هو أساس القصة وبطلها رجل لا يملك شراء مسحوق الحليب لتطارده لعنات الزوجة والأبناء والنادل، وينتهي به الحال بحادث سيارة مع سيارة حليب وكأنه يجسد رسالته الأخيرة أو كأنه يقول ( ومن الحليب ما قتل ) لينثر مسحوق الحليب على الرصيف ويغادر دنياه دون أن يجد ما يسكن إدمانه أو إدمان أولئك له . ونصل معاً إلى ( شيطان في القرية )وهي قصة أخرى ندخلها بملاحظة بسيطة لا دخل للكاتبة فيها ( الصفحة 64 كتب \"سيجر الولايات والشؤم والنحس \" و الصحيح المقصود بها \" الويلات \" ) . إن للكاتبة في هذه القصة نسج من الخيال الخصب استطاعت أن تتقن الوصف من خلال رسم صور تكاد تكون واقعية في هذه القصة مرتبطة بالأحداث . إن من يقرأ تفاصيل القصة وما جاء فيها من أحداث وصلوات الكهنة والمعابد وصوت النداءات المتضرعة إلى الرب لرفع البلاء وطلب الصفح . يجد وكأن الكاتبة وقد عاشت سنيناً في قرى بعيدة كقرى شرق أسيا الذين تراهم ناسكين في المعابد حيث الحكايات الخرافية والاعتقادات ناسجة حنان المنذري ترابط حقيقي في الفكرة والمعنى وكأنها قد عاشت بين حياة البوذ والكهنة. قصة جميلة انتهت بعد الاعتقادات بحرق الطفل ثم أمه ووالده ثم اختفاء القرية من على وجه الأرض . (فجر مختلف) قصة جديدة مختلفة هي الأخرى وبفكر مختلف تركزت القصة حول الصراصير وربما هذا المنهاج أرادت الكاتبة أن تصل بفكر القارئ أنها ركزت على طبقة فقيرة في المجتمع لم تنعم بالديباج والحرير وإنما كانت تنام مع الصراصير وتأكل معها لتكون (الصراصير) في القصة مجرد رمزاً لا أكثر وكعادة الكاتبة تتقمص الفكرة حتى تعيشها ومن ثم تكتبها لتكون أقرب إلى الواقع حينما يتناولها القارئ . في (قريباً من الدموع) وهي قصة أخرى (مروه وندى) والحزن الذي بين السطور ولا توجد أحداث مثل سابقها من القصص وإنما مجازي تلخص في إصرار مروة على شراء مبيض البشرة وكذلك ندى صديقتها . (صراخ الأسمنت) عبارة عن أحداث تدور في الدور الرابع فهي كانت تبحث أو تحلم برجل ولأجله وضعت مساحيقها حتى أنها تمنت لو أنها تستطيع أن تستعير وجهاً آخر عن وجهها ..القصة تحكي عن فتاة تبحث لها عن زوج عبر الوسائل التقنية الحديثة تخلت عن مبادئ كثيرة وسط مجتمعات محافظة لترتقي الأدوار الأربعة وهناك تقابل رجل لا تعرفه وحينما قابلته تعود إليها ذاتها لتؤنبها فترضخ لصوت الذات وتغادر كل شيء تاركة وراءها المديرة والرجل والعمارة وحتى المصعد متخذة من الخطوة بديل رغم الدمع الساخن، إلا أنها عادة أدراجها تحت مطر السماء ومطر الدموع . قصة جميلة أحداثها تشير إلى أخذ الحذر من تتبع كل ما هو تقني وحديث فالمبادئ فوق كل اعتبار . (العارض) قصة تكونت من ... (جيمس/ سلمى/ جولي/ المديرة/ المخرج/ المصورين/ الشرطة/ سوزي/ شيكر ) جميعها شخصيات صنعت الكاتبة منهم عناصر القصة مستخدمة أدوات في ذلك ومن تلك الأدوات : (الإعلان / دور العرض / السيارة المتهالكة /السيارة الفارهة / المصر / الكاميرات) . كل ما ذكر أعلاه من شخصيات وأدوات وظفتها الكاتبة لتكون لها عوناً في السرد ناهيك عن الوقت الذي امتد من الفجر وحتى بعد منتصف النهار . قصة ارتكزت على مشهد أو مشاهد مسرحية . الهدف منها الوصول إلى المبتغى . (من وراء الستائر المغلقة) .... قصة كان محورها التسمم الغذائي والجوع الذي تم إسكاته بالساندويتش المغلف بقرطاس أبيض والمشبع بالفلفل والمايونيز ثم المغص المؤلم وحالات القيء والتنويم بالمشفى في الساعات المتأخرة من الليلة التالية . أظن بأن الكاتبة وقعت في خطأ حينما ذكرت ومثلما جاء في النص (بقيت وأمي وحدنا لنصف ساعة أمطرتني فيها عتاباً على تفضيلي الأكل من بين أيدي الهنود) . كان يمكن تجنب الوقوع في هذا الخطأ لو لم تذكر الكاتبة الجنسية التي ينتمي لها صناع الساندويتش بذكر (الآسيويين) دون انتماءات بلد كي تجنب نفسها من متاهات المساءلة حتى مع الوقت . القصة الأطول في هذه المجموعة (غرباء بدماء ملكية) العنوان جداً جميل وشاعري ومن يتوغل في القصة سيجد وكأنه يقرأ (ميثولوجيا الخلود) لخزعل الماجدي الذي ذكر بأن الملك الثالث: ( زيوسيدرا أو أوتو نابشتم) وهو آخر الملوك الأسطوريين قبل الطوفان والذي عاش بعيداً عن الإنسان عند فم الأنهار في دلمون مع زوجته وقائد مركبه ولم يصل إليه إلا جلجامش . أما عشبة الخلود التي أعطاها لجلجامش فقد كانت هي الأخرى تمويهاً خادعاً لجلجامش لأنها لا تعطي الخلود، ولقد أعطيت الأفعى من العشبة ولم تمنحها الخلود بل زالت عنها الأمراض كالشيخوخة والتجاعيد وهو السبب الحقيقي وراء اعتبار أن الأفعى رمزاً للطب، والعشب رمزاً للصيدلة . هذه القصة (غرباء بدماء ملكية) فكرتها ساقتني إلى تلك القصة حيث تشابهت في البحث عن الخلود وعن الدماء الملكية النقية التي تبقي الوجه ناظراً وشباباً وعن تبديل الأعضاء بعدما تنقى آخذينها من الفقراء الذين دعتهم الحاجة والعوز إلى التبرع بأعضائهم حتى قلبيهما استبدلا فما كانت تلك القلوب أن وقعت في الرذيلة فعشق الأخ أخته لأنهما ملكا قلبين ليسا لهما . ستائر مسدلة لحنان المنذري قصص قصيرة لا تتعب القارئ في تقصي وقائعها بل تقف على بوابة البساطة بأسلوب سهل ممتنع . قراءاتي تلك ما هي إلا قراءة متواضعة بعيون غير ناقدة بل عيون تستظل بالسطور وتبقى تلتقط أنفاسها المتعبة . ![]() الكاتب محمد الطويل | ||
![]() | ![]() |




