• ×
السبت 13 يونيو 2026 | 03-01-2013

القصة القصيرة : المندسة للكاتبة : رحمة المغيزوي

القصة القصيرة : المندسة للكاتبة : رحمة المغيزوي
1
0
522
 المندسة
( نافذة جهة السماء الزرقاء )

للكاتبة رحمة المغيزوي


يجري الزمن
كما تتدفق المياه
كونفوشيوس

الفصل الأول


في زيارته السابقة لهم ،كانت \" المندسة \" ساكنة لا يتحرك منها إلا أطراف النخل المرتفعة بكبرياء والمحملة بعذوق التمر الوافرة ، يتذكر \" يوسف \" أنه وقف بمسافة تكشف له عن البيوت الثلاثة التي لم يتغير شكلها الخارجي كثيرا عما كانت عليه ، وعندما لمح ظل أحدهم سكنت نفسه ونفخ الهواء من داخله .
دار في ذهن \"يوسف \" أنه بعد سنوات سيكون كل من سيتعرف على أهل هذا المكان مرتبطا بخيط أو بآخر إليه ، إذ بدا بعض أهل \"المندسة \" غرباء بفعل الصمت الذي يطل من وجوههم ، وفي الكلمات القليلة التي يتدالونها في حضرة من لا تربطهم به علاقة متينة ، وفي تحديقه العنينين الذي لا تفوت أي حركة صغيرة تصدر من محيط الشخص الذي يتعامل معهم . كانت شعورهم السوداء تنساب بنعومة تظهر على رؤوس أطفالهم وتكاد أن تعلن عن نفسها من وراء الغطاء السميك الذي يلف رؤوس النساء عندهم ، ولكن أكثر ما يميزهم كانت تلك الوجوه الشديدة السمرة وكأنها لفح الليل الذي لا ينتهي ، والمغبرة أحيانا برذاذ الطين الجاف الذي تنشره الرياح في كل مكان يسيرون فيه .
كان \" يوسف \" بعد تلك السنوات يتعمد أن يحدق في البؤبؤ اللامع لعيني \" عطية\" ليتوصل - وأن من بعيد- لأن يقرأ شيئا من ما سيدور من تلك العقول ، وفي اللحظة التي ندت عنها ابتسامة هادئة في وجهه ، شعر أن قبله يغوص يعيدا .

استقبلوه في مجلس الرجال و وضعوا له حبات البرتقال وأناء حبات التمر ، عرف أنه يعتبرونه غريبا الآن عنهم ، كانت تلك العادة ورثوه عن جدهم الكبير ، أهل \" المندسة\" يقدمون فيما بينهم التمر والقهوة المرة فقط ، فعلوا ذلك في آخر محنة ألمت بهم وسيفعلون ذلك مع كل جيل جديد يطل بوجه على هذه الأرض . وبذلك

- يصير أهل المندسة قلب واحد .
كما قال \" سالم الأخن \" .
وعندما يضيفون طبقا آخر على التمر والقهوة لأي إنسان يقدم إليهم يعتبرونه ضيفا ، غريبا عليهم ، لا يثقون به ، لا يستحق أن يعرف ما يعتمل في داخلهم فترى الصمت يشع من قسمات وجوههم و يزداد بياض العينيين اتساعا .

في الليلة الفائتة لزيارة \" المندسة \" تقلب \"يوسف \" على فراشه طويلا ، أخبرته خالته عن الحال التي أصبح عليها \"سالم الأخن \" ، قالت له بتأثر

- عمك صار يهذي . مغيب عن الناس والدنيا ، تعال شوفه .

في الصباح خرج دون أن يتناول شيئا ، كان قد اشتاق الأرض التي عاش بها سنوات ، سار لوحده بين أشجار الكثيفة ، شعر أن صوت نباح يأتيه من أعماقه وأن صداه يمتد إلى رؤوس التلال القريبة من مدى بصره ، لقد كبر وشاخ كل شيء في المندسة الآن حتى الأصوات أصبحت عتيقة .
............................................................................................................

في ذلك الصباح ذاته كانوا قد عادوا به ، أوقف \"عيسى \" السيارة العتيقة أمام باب الدار مباشرة ، أسرعت \"نوال \" بالغطاء السميك والكبير ، تعاون الجميع في وضع الغطاء على الأرض ، تنفس \"عيسى \" عميقا فتح باب السيارة ومن ثم أغلقه بصوت مسموع ، من على عتبة الباب نادت عليه \"شمسة \"

- ويش فيه جدكم ، كيف صحته ألحين ؟

لم ينتبه أحد إليها ، غاب صوتها في جلبة الأصوات الكثيرة ، مدت عدة أيادي إلى باب السيارة الخلفي ، وحملوا بتمهل وحذر الجسد الهزيل ، ابتعد \"نوال \" عن الجمع لم تستطع أن تلمس الجسد المدلى من السيارة ، أحست أن القدمين قد تحولتا إلى طرفا نخل دقيقين ومصفرين ومبقعين بالبقع السواء على طول العروق النافرة ، وأن من يحملونه ليس جدها ، خلال شهر مرضه ذاب جسده ولم يبق منه جلد يغطى العظام التي بدأت تصدر صوتا خفيفا عن احتكاكها ببعض .
أقترب \"فرج \"من عيسى \" شد على يده وسأله بهمس

- كيف ؟

- الطبيب قال خلوه معكم في البيت .

من على الفارش نادى \"سالم الأخن \"

- مسلم تعال ، وين مسلم؟ نادوه ؟ .

أمسك بثوب \"فرج \"
- لا تودرني يا فرج ، شمسة وينك ؟ ،لا تخلوني وحدي .

تحركت \"شمسة \" جهة الصوت ولكنها عادت ووقفت بعد أن أحست أن الضوضاء تقترب منها ، كان قد طلب بإلحاح من \"عيسى \" أن يمر به بجانب المقبرة الصغيرة ، رفع رأسه و ثم عاد وخفضه ،لقد كان جميع أهله يتوسدون يمناهم هناك .

بين كل تلك الأيادي كان \"سالم الأخن \" يشعر بالعجز وبرغبة كبيرة بالبكاء ، وحين وضعوه في بقعة كانت الشمس تزاورها في كل حين ،نظر إلى النافذة المشرعة في وجهه بكل الفضاء الخارجي طالعته شجرة \" الشريش\" التي هذب بعض أغصانها ذات يوم ، كانت صفراء تنتظر إزهار بعض البراع ، بينما أتاه الصوت الذي احتفظ به طوال تلك السنوات واضحا وعميقا وكان في ذلك اليوم تحديدا يناديه باسمه دون ريب .

العمر ذلك الوحش الذي لم يستطع أن يقضى عليه \"سالم الأخن \" ، كان السنوات تحفر فيه كما تحفر قطرة الماء الضعيفة في الحجر ، هو أصبح الآن حجرا كبيرا ولكنه مفتت في داخله ،أخبره \" مسعود الحفار \" عن التراب وأسراره ورائحته ،وعن رغبته الصادقة بأن يكون لصيقا به ذات يوم دون يزعجه أحد ، ولكنه ذهب دون أن يخبره عن الحجر ، وعن السر الذي تقوله قطرة الماء للحجارة الملساء حتى تصبح لينة وطوع أمره ، أخطأ مسعود كان يجب أن يخبره في جلساتهم الطويلة عن ذلك ، وأن يخبره أكثر كيف يمكن يكون مثل عود نخل جاف ومحترق بعد أن كان يهز الأرض تحت خطواته الكثيرة ؟ أخطأ الجميع ، مسلم وشمسة ، وفرج ، حتى الشاة الكبير التي اعتبرها مصدر الخير في زريبته ماتت وألقوها بعيدا ببطن منتفخ دون أن يخبروها عنها ، ذات يوم قريب وجد أن بقايا في مناقير الغراب الكثيرة ، كلهم جرحوه بعمد ، جعلوه ينام في الأيام السابقة فاختلطت الأمور من حوله ، يحس بنزف ذلك الجرح الآن ، كان \"يوسف \" الوحيد الذي لم يخطئ قال له أنه يتوهم ،أن وهمه يكبر ويهرم مع ميلاد كل يوم . نادي من جديد

- مسعود ،أريد مسعود .

رفع مدى بصره وبحث عن \"شمسة \" كانت متدارية عنه والوجوه الكثيرة تغطي الانكسار الذي لمحه في وجهها منذ فترة ليست بالقريبة ، كانت الدموع تقهره وتفضحه أمام أصحاب الأيادي التي كانت تشد الغطاء من كل طرف .
لوح بيده اليسرى في الوجوه أمامه وصرخ

- أنا أقدر أمشي خلوني .

............................................................................................................


يتذكر \"يوسف \" في تلك الأيام

أنهم كانوا يضحكون ، كلما سنحت له الفرصة وأخرج أمامهم الصور الوحيدة التي جمعت أهل \" المندسة\" كلهم ، الكل وقف خلف \" سالم الأخن \" الذي بدا مهيبا وأكثر اعتزازا بالنفس من غيره في الصورة ، بياض العينين فيه كان ملفتا أكثر من السمرة الطاغية في الوجه ، فيما وقف \" عيسى \" و\"فرج \" كعمودان صلبنان على يمين ويسار \" سالم الأخن \" ، لا يظهر منهما إلا طيف ابتسامة رفعت مستوى خديهما إلى الأعلى قليلا ، خبأ \" يوسف\" الصورة بين أشيائه القليلة وكان يشعر بالضيق بداية كلما سأله أحد الموجودين في الصورة أن يريه إياها ، ولكنه كان يعود إلى صورة وينشرها أمام \" سليمة \" في كل مرة طلبت رؤيتها ،و في الصورة كانت \"سليمة \" تحني ظهرها ،وتظهر صف من الأسنان البيضاء بين شفتين رقيقتين ،و بين يديها تمسك ابنتها \" فاطمة \" تمدها إلى الكاميرا ضاحكة ، أمامهما مباشرة كانت \" نوال\" منزوية على ساقي جدتها \" شمسه \" ، في كل مرة رأى فيها \" يوسف الصورة ، كان يمرر إصبعه السبابة على وجه \" نوال \" ، ويقر أنه حتى في الصورة كان هنالك ضياء يشع من الاثنتين ، فيبدو أشبه بعلاقة ثنائية يعوض صفاء عيني \" نوال\" الانطفاء الذي لحق بمقلتي \" شمسه \" ويوازن الوقار الذي يظهر من محيا \" شمسة \" الشقاوة التي سكنت سنوات \" نوال \" العشر . واحتلت البنات الصغيرات مساحة أسفل الصورة مع \"عطية \" . في حينها كان \"يوسف \" يمسك بالكاميرا و\" شمسة \" هي المحرض لالتقاط الصورة .
أهل \"المندسة \" يشبهون الجرذان الصغيرة ، دارت ذلك التفكير في عقل \" يوسف \" وهو يرفع الصورة ويعلقها قريبا من سريره ، عندما يكبر أحد أبنائهم ويحين موعد زواجه كان يضيقون غرفة له كيفما اتفق في داخل الدار ، تتداخل الغرف والأبواب وتزيد الضوضاء الصغيرة تتشابك العلاقات وتصبح لزجة أحيانا ولكنها تعود إلى مجراها السابق ، تصبح خيوط اللعبة في أيدي الكبار دائما ، يلقي \" سالم الأخن \" كلمته بينهم وتعضدها كلمة جدتهم \" شمسة \" فيسكت الجميع على مضض ولكنهم يقتنعون أن ذلك هو الأصوب ، يحفرون في ذواتهم الصغيرة فتكبر الأحلام التي غذوها طوال النهار.

- سالم الأخن ما عمي .

أخبر خالته \"شمسة \" عندما استقبلته ،قبل رأسها واقتعد الحصير معها ، في تلك السنوات كان التناقض حاضرا في علاقته مع \"سالم الأخن ، كان يعرف أن هنالك خطا من عدم الارتياح ينمو بينهما وأنه مع الأيام تحول إلى كره مبطن ، جعل واحد منهما يتحاشى الآخر قدر الإمكان ، لا ينكر \"يوسف \" أنه تمنى الموت لزوج خالته ، كانت الفكرة مريحة أن يصحو فيجد ما كان موجودا قد أصبح عدما ، تمنى أن يراه كما هو الآن عاجزا عن القيام والدوران في أرض المندسة ، سيكون قد انتصر بتضامن مع الوقت الذي كان يراهن عليه كثيرا في كشف الخداع الذي عاشه الناس هنا .
لكنه و في السنوات الأربع التي ترك فيها المندسة كان يعود إليها مثل اللصوص ليرى خالته \" شمسة \" ، كانت العرق الممتد في قلبه من الأسرة التي نسيته كله . يتذكر ل \"سالم الأخن \" فضله بأنه سمح لخالته بضمه إلى أسرتهم إلى كبر .
............................................................................................................

لو وجد \"سالم الأخن \" بجانبه شيئا لرماه
في وجه الفراغ الذي كان يترصد به من النافذة .

عند الظهيرة وجد \"مسعود \" قريبا من رأسه ، أخرج أنينا طويلا ، من بين البشر كان \" مسعود الحفار\" الشخص الوحيد الذي لا يخجل من إظهار ضعفه أمامه ، اقترب مسعود أكثر من وجهه وقال

- أجر وعافية يا بو فرج .تستاهل السلامة .

- طاح الجمل يا مسعود . وجمل صاحبك له ألف سكين وسكين .

\" مسعود الحفار\" كان كعابر سبيل في الدنيا ـ تراءت حياته أمام \"سالم الأخن \" كشجرة الصغيرة يتفيء بظلها بين يوم وآخر ويتركها في أيام عديدة ، في بعض الشهور كان يغيب أسبوعا عن جلستهما في السوق يمر عليه ليلقي التحية ومن ثم يسرع في خطاه ملوحا أن لديه بئرا جديدة يحفرها أو يرممها ، طيلة نلك السنوات لم يشتكي من شيء ،وظل قلبه أبيضا اتجاه كل الناس وكان يردد على مسامع \"سالم \"

- ليش أتعب نفسي ، الدنيا كلها راح تصير تراب .

وعندما وضع \"سالم \" حفيده \"عيسى \" في حجره ، شعر وكأنه وضع حبات الفرح فرأى \"مسعود \" يلاعبه ويرفعه بين يديه ويخرج من جيب \"دشدداشته \" ريالا ويدس في ملابس الطفل . كان كريما بأبسط الأشياء التي في يده ، وفي اليوم الذي زاره فيه \"سالم \" في بيته ، وجده نائما كالأطفال ، يضم أطرافه الأربعة إلى صدره ومع أن الحمى كانت تلهب جسده إلا أنه قام وأحضر القهوة وجلسا مستندا إلى وسادة خشنة .

أمران بقيا يفصلا بينهما ولا يتحدث فيهما \"مسعود \"بصراحة وإنما يكتفي بالتلميح ، فطوال تلك السنوات لم يوجه مسعود وجهه جهة القبلة ولم يصل ركعة واحدة ، وعندما كان يسمع الآذان ويرى \"سالم \" بشمر عن ساعده للوضوء كانت يبقي في ظل شجرة \"الشريش \" ينتظره حتى يفرغ من الصلاة ، حتى في صلاة العيد رفض \" مسعود \" عرض سالم الذي جاءه باكرا ، وغطى رأسه وعاد ينام وعندما وقف سالم على بابه وقال له

- كيف بتقابل ربك باكر ؟
- خلي الأمر لصاحب الأمر ، بعدها الدنيا ما طارت . في وقت بصلي وبصوم .

رغم ذلك ظل يحبه ويخاف عليه ويسأل عنه إذا غاب عنه لفترة ، وراعه جدا أن يرى بقع من الدم ثوبه وعندما سأله عن ذلك ، راح مسعود ثوبه من الخلف ليرى أثر الدم وأخبره بأعذار متنوعة ولكن بقع الدم زادت حجما وبقي \"مسعود\" يداريها ويغض الطرف عن كل سؤال يوجه إليه \"سالم \" ويرد عليه
- خير لا تعذب نفسك .
............................................................................................................

عند مغيب الشمس عاد \"يوسف من \" المندسة\" ، كانت لفحات البرد قد زادت ، خلع نعاله و رمى \"الكمة \" من على رأسه جلس على سريره وكتب

\" فتحت الباب ودخلت كان يدا خالتي\" شمسة \" تدفعاني من الخارج على الدخول ، لم أعرف أن الراقد على الفراش كان نفسه صورة الرجل الذي نهرني أمام النافذة ، الرجل الذي رأيته عملاقا . تحول إلى قزم عاجز ، من الغريب أنني كنت أجعل كل إنسان إلها ، لقد كان أبي وأنا صغير اله كبير إلى أن حمل أشياؤه رحل إلى امرأة أحرى وتركني ، وخالتي \"شمسة \" كانت أميرة من الآلهة إلى أن سكتت عن ضرب \"سالم الأخن \" لي عند النافذة فنزلت مرتبة .

ولكن \"نوال \" كانت آلهة بعذوبتها وبراءتها ،تلك الآلهة تدفعه إلى يقرأ الكتب أكثر ، وأن يدرس ليصبح أستاذا يضع بين يدي أمها و\"سالم الأحن \" المال الذي قد ينهي به \"سالم الأخن \"كلامه إلى عمها \"فرج \" بنذرها لعيسى .
تصورت أن عيسى يركض خلفها يأخذها دون لطف ، تصورت أن \"نوال \" يمكن أن تنكسر مثل الزجاج الهش تحت جسد \"عيسى \" وتصورته أنه يمكن أن يذبحها كما يفعل بالشياه .

جميل في المندسة كانت نوال ما زالت قادرة على تمشيط شعرها بحرية تامة في وقت كان فيه الليل غارقا في ظلام غريب لم تفهمه مذ كانت صغيرة .
كانت \"نوال \" أجمل من الصور التي أهداني إياها \"جمال \" في المدرسة ، كانت النساء في الصور عاريات تكسو أجسادهن قطع متفرقة من القماش ، تكاد كل صورة أن تتحدث عن نفسها ، من التقط الصور ركز عل البطون المشدودة كوتر وعلى الصدور التي كانت تشبه الجبال ، وفي الليالي الأولى كانت الصور تشعرني بالمرض ، بالحمى ، ولكن الصور لم تصبح آلهة ، بقية على صورتها البشرية ، لم أتخيل نفسي إلا في حضرة نوال ، كل ذلك الجوع لا يمكن أن تشبعه إلا عيون \"نوال \" ، فكرت وأنا أمر بالمحال أن أشتري لها ملابس تشبه ملابس تلك الصور وأن أساعدها على الاستحمام حتى يزول عنها كل شيء يمت للمندسة بصلة ، سيكون الطول الفارع الذي بدأ يظهر عليها مثيرا تحت تأثير تلك الملابس . تكور الثديين أكثر عفوية من كل الصور \"

عندما أطرق رأسه على وجهه \" سالم الأخن \" لم يقل شيئا ، لم يسأله عن حاله ، أحس من نظراته أن الرجل يرسل إليه رسالة يعيشها كل إنسان في فترة عمره التي قد تمد بين العاشرة إلى الستين عاما ، تراجع إلى الخلف ، كان هنالك احتدام بين الموت والحياة . كل منهما يقول كلمة ويتراجع عنها بعيد لحظة .

............................................................................................................

منذ عام تحديدا

سار بضع خطوات جهة الغرب من منزله ، كانت أنوار بعض المصابيح ترسل إضاءة خفيفة من البيوت التي نمت قريبا من المنازل التي أسسها أبناؤه هنا .
كانت الأفكار التي غزت رأسه في تلك الليلة قد سرقت كل لحظات النوم الذي حلم به ،
وكأن عينيه بلا جفنين يغلقهما على كل الفراغ الموحش أمامه ، ويستطيب الراحة من خلالهما ، في البداية تذكر سؤال \"يوسف\" بعد عودته الأخيرة محملا بأشياء كثيرة

- كم غافة ، وكم سدرة وثلاثة بيوت لا فوقهن و لا تحتهن وتسميها حارة ؟ !

ومن بعده رأى صورة \"نوال \" واضحة ، كانت تنظر إليه بحيرة ، وهي ما تزال تجري بفستان أبيض ومن تحته كان يظهر سروال أسود . ولأول مرة شعر أن الموت يتربص به في زوايا غرفته ، نهض من فراشه ، ارتدى \"دشداشتة\" الشتوية ، في داخله تعوذ مرات عدة
- أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، اللهم أخزيك يا إبليس الملعون .
كانت \" شمسه \" نائمة بجانبه تغط في نوم عميق وشخيرها يصله برتابة اعتادها خلال الأعوام الماضية ، في نفسه استبعد أن يأتيه الموت فجأة ، كانت موقنا أن هنالك تغيرا ما سيشعر به إذا ما اقترب الموت منه ، ربما سيسمع صوت نباحها أكثر وحشية ، ربما يحس بأرض \" المندسة \" تشتعل في تلك اللحظة تحت قدميه بأحلام عائلة \" ولد الأخن \" ، في فكر في حضرة الموت أن يستأذن ليمر على التراب الذي عشقه كثيرا ، في غرفته هز رأسه كان متأكدا من كلاما سيكون بينه وبين الموت سيفعل كما قال \" مسعود الحفار \" عندما سأله ذات مرة
- ما تخاف من الموت وأنت ترقد وحدك ؟
- يوم بشوف الموت بخلي عيني بعينه وبذبحه .

في ليلتها خاف من الصمت الطويل ، ، حدث نفسه أنه بعد أن جاوز الستين ، ليس هنالك مجال للشك أن الموت سيحترم الخور الذي بدأ ينهشه ،وسينبعث على أقل تقدير بحياء مع كل تلك الأيام التي يحملها على ظهره ، اقترب من \" شمسة \" أراد أ يدس رأسه في ظهرها ،لا ريب أنها ستشعر بالحرارة التي أكلت جسده رغم برودة الطقس ، ستلفت إليه وتحتضن الشعر الأبيض الخفيف إلى صدرها كما فعلت ذات مرة بعيدة جدا .

في الظلام اقترب من شجرة \" الرول \" الكبيرة المزروعة عند ملتقى زاوية محددة للبيوت الثلاثة ، وفي الوقت الذي احتضنت فيه يده غصنا عليها ، تنفس \" سالم الأخن \" برفق وشعر بالراحة تسري في نفسه ، كان يعرف المكان كما كان يعرف خطوط راحة يده ، ما يعرفه تمام المعرفة أن هذا المكان كان مخبئا في داخله بعمق السنوات التي أمضاها فيه وبطول قامة أولاده وأحفاده الذين ساروا على التربة الهشة مع تقاذف الرياح لها بين كل فينة وأخرى . و؟أن \"عيسى \" سيبذر بذورا جديدا لامتداد عروق العائلة في تربة المندسة .

...........................................................................................................


الفصل الثاني


إنك لا ترى ما أنت
وإن ما تراه هو ظلك

طاغور


والمندسة كان الاسم الذي بقي عالقا في أذهان القليلين لبقعة الأرض البعيدة عن مرمى البصر للناظر جهتها من امتداد الشارع الإسفلتي الذي شق منذ سنوات خلت بعرض الولاية وربطها بغيرها من الولايات ، السائر إلى المندسة يجد في دربه طريقا طينيا يوصله إلى البيوت الثلاثة التي أسست شكل هذا المكان وأعطته الحركة والحياة المتواصلة ، وفي الوقت الذي شكل فيه البعد عن الشارع الرئيسي عبئا على أهل المندسة ، خاصة عند استمرار نزول الأمطار ،الذي يشكل حاجزا يمنعهم من الذي إلى المدارس إلا أنه من جهة أخرى كان ذلك البعد مثار اعتزاز وراحة في نفس \" سالم الأخن \" إذ كان يشعر أن هذا البعد مكنه وأهله من الابتعاد عن الأصوات المزعجة الصادرة من السيارات والشاحنات الكبيرة ، كما أتاح لأطفال هنا حرية في الركض واللعب دون أن يكون هنالك خوف كبير عليهم . وتجاهل في زمرة ما تجاهله إلحاح \"شمسة \" ومن بعدها \"يوسف \" ونوال \" بضرورة ذهابه إلى البلدية التي تقع غير بعيد عن السوق الذي يذهب إليه كل صباح لتقديم ورقة كتبوها فيما بينهم يطالبون فيها بشق طريق إسفلتي في أرض \" المندسة\" يربطها بالشارع الكبير ، يتذكر \"سالم الأخن \" أنه دس الورقة فقي جيب ثوبه وأنه مزقها إلى نتف صغيرة ونثرها في وجهه الطريق العريض بعد أنفضت السوق و جلس خلف مقود السيارة .
و طوال تلك السنين فكر \" سالم الأخن \" باستمرار في تغيير الاسم نظرا لما يحمله من معاني الاختباء والبعد عن الناس ، فأطلق عليها في عدة مرات وفي لقاءات ضمته مع أفراد أسرته اسم \"الخير\" ، وفي أحيان آخري \" الطيبة \" إلا أنه ظل يتساهل في سوق الخضار ويرد على صاحبه \"مسعود الحفار \" كلما علا صوته بتحية الصباح و أردفها بالسؤال

- كيف المندسة وأهلها ؟

- بخير ، عساك بخير دايم ؟

ثم يأخذهما الكلام في حديث أخر ،و يغوصان في ضجيج السوق الكبير ، ينسى فيه \" مسعود الحفار \" المندسة وأهلها ، ولا يتذكر فيه \" سالم الأخن \" أن يعاتبه .

............................................................................................................

والمسافة التي تفصل \"المندسة \" عن الشارع العام ومن خلفه عن البيوت الجديدة المحاذية له لم تستطيع أن تحددها حتى \"سليمة \" رغم مسيرها الشهري التي تقطع فيه أرض المندسة لتصل إلى بيوت \" ولاد هلال بن ساعد \" والتي كانت تصفها \" لشمسه \" في استفاضة مطولة
- بيوتهم جنة يا عمتي .

وفي حقيقة الأمر فإن المسافة التي تقطعها \"سليمة\" كانت هاجسا لها ، ففي بعض المرات كانت تراها قصيرة تكاد أن تقطعها في خطوتين من خطواتها الواسعة وغالبا ما يكون ذلك في أيام الشتاء وتكون الصرة التي تحملها من بيوت \" ولاد هلال بن ساعد \" على رأسها ثقيلة ، وفي أحيان أخرى كانت تقف مرات عديدة تحت ظل الأشجار الثابتة على الطريق اتقاء لحرارة الشمس التي تستيقظ مبكرا وتشعر أنها لن تعود إلى المندسة إلا في وقت تجد الجميع فيه قد نام .
وعندما شغلها الموضوع أكثر أوقفت في صباح أحد الأيام \" يوسف \" و سألته مباشرة

- كم ساعة المسيرة من المندسة للشارع الكبير ؟

كان \" يوسف \" قد وقف في مسيره اليومي على الرصيف وسار مسافة لا بأس بها وعندما لم يجد لوحة مثبتة في الشارع باسم \" المندسة \" شعر أن المكان الذي يقطنه كان مجرد وهم أوجده \" سالم الأخن \" و من كانوا قبله ، وعلقوا الجميع به دون أن يقدموا دليلا واحدا على صحة اسم المكان ، ولم يفاجئه أن الناس الذين يعرفهم في المدرسة كانوا يضيفون حدود بيوتهم إلى القرية التي تقع غربها ، ويبادر بعضهم إلى وضعها في نطاق القرية التي تستقبل الشمس قبل بيوتهم ، وفي وقفته تلك فكر بإجابة تريحه من إلحاح \"سليمة \" فرد عليها في اليوم التالي

- ما تزيد عن مسيرة ساعة .

وعندما فتحت فمها لتضيف سؤالا آخرا، كان \" يوسف قد تشاغل بالنظر إلى الأطفال وسحابة الغبار التي أثاروها خلفهم .

في المرة التالية أخذت \"سليمة \" تعد خطواتها أحيانا و تراقب الشمس أحيانا أخرى ، ترفع رأسها لترى قمم البيوت الجديدة ، وعندما لاحت لها أول الألوان الزاهية ، تجمدت وكادت أن تبكي ، نسيت عد الخطوات المتبقية .

............................................................................................................

فوق فراشه شاهد الموت
كمخالب الذئاب الجائعة

منذ مات والده أراد\" سالم الأخن \" أن تموت تلك الحكاية معه ،فمنذ قديم الزمان كان يعرف ذلك الخبر ويبقى بين مصدق لجده ومكذب لما قيل ،و كلما كانت الرياح العاتية تمر عليهم وتدمي ذرات الطين عيونهم ، كان يجد عذرا مقنعا لجده ، أخبره والد أن الناس كادوا أن يأكلوا وجوههم في أحد السنوات عندما نهضت القرية بأكملها على صوت \"فاضل \" وهو- رجل من جيرانهم - يحمل سكينا كبيرة في يده ويعلق في اليد الأخرى أزارا وسروال إحدى النساء من أهله ويصرخ باحثا عن رجل رأى ظله يخرج مسرعا من على جدار بيت عائلته ،وأنه لم يتبين تقاسيمه وعندما سلط الضوء على المكان لم يجد إلا إزارا وسروالا ، لأيام بفي الإزار معلقا على خشبة في وسط القرية ويسمعون مناديا ينادي
- يا ناس ما أحد منكم مغيب وزار ؟ .

إلى أنتشر خبر أن الإزار الذي يحمل في أسفله لونا أحمرا ل \"ولد الأخن \" ، عندها هاج كل شيء وسمع \" فاضل \" يتكلم في كل مكان بقوله

- ماشي يغسل اللي صار غير الدم .

سرى \"ولد الأخن \" بأهله في قطع من الليل وتوغل في الأرض حتى وصل إلى \"المندسة \" وسكنها .
ظلت الفكرة التي رسخت في أذهان من سكن هنالك ، أن \" المندسة \" كانت منذ أيامها القديمة أرضا صامتة ،جافة ، تبقى متدثرة بالخجل القاتل ،لم يشاهدها أحد نثور أو تغير من حالها الذي اعتادوا عليها، فقد جرب سكانها أن يسمعوا وقع خطواتهم إذا ساروا ليلا ، إلا في الليالي التي يسمعون فيها أصوات الرياح ،أو نزول المطر ، من ثم يعود وقع الأقدام إلى وضوحه المعهود ، وإن كان \" سالم الأخن \" قد قدم شواهد على وجود نباح لم يشاهد مصدره بأم عينيه ولكنه سمعه في أغلب الليالي الهادئة ، أما البقية الباقية من السكان فكانوا يدوسون أرض المندسة ويعمرون فيها ويشاهدون في كل صباح مواشيهم وهي تركض إلى العشب الجاف وأحدى عيونهم مرتبطة بما يرونه ويسمعونه بالبيوت الجديدة التي بنيت كقصور شاهدوا نماذج منها في صور التلفاز ، يصبرون أبنائهم الصغار عن يتمنونه في أيادي زملائهم في المدرسة ، ويستمعون في بعض الجلسات المسائية عما رآه \" فرج \" في عمله الأخير كعامل تنظيف باليومية في إحدى المدارس من النقود في أيدي بعض المعلمين ، وينصتون في إعياء إلى لهفة \"سليمة \" الملتهبة وهي تنظر للبعيد وتقول

- أريد نص بيت من مثل ذيك البيوت .

المرة الوحيدة التي تجرأ فيها \"عيسى \" سأل جده عن سبب اختيار \"المندسة \" لهم ، أشاح ببصره عنه بعيدا ، نهض من على الحصير ورفع عقيرته بحداء أهل الصحراء ، ولم يذكر حكاية \"وزار ولد الأخن \" حتى أمام \"مسعود الحفار \" .

............................................................................................................

استوي \"يوسف \" على فراشه قاعدا

عند النافذة قال له \" سالم الأخن\" بعد أن ضربة ظهره بشدة

- أنت الكلب ولد كلب .

وكانت \"نوال \" تبكي بشدة

في كل مرة كان يرى فيها \"نوال \" كانت الصورة القديمة تظهر أمامه بكل التجلي ، وفي كل مرة كان يركز على وجه \"نوال \" الطفولي الجميل لينسى ما رآه منذ ما يقارب الخمسة عشر عاما ، يتعاطف معها دائما ، يغمض عينيه ومن ثم يعيد أنظاره إلى الكتاب الذي يذاكر فيه ، تعدو \" نوال \" أمامه فتعود الصورة ويشعر بالألم في كل جسده ، وقفت نوال تتطلع إليه وهو في أعلى السبلة ونادت عليه

- يوسف ،انزل معنا .

رآها كما كانت قطعة دم تصرخ في يدي خالته \" شمسه \" يتذكر الآن أنه كان جالسا بالقرب من النافذة الحديدية ،الجميع كان مشغولا ، الكل يتحرك ما عداه ، ، سليمة كانت تعبث بملابس \" عطية \" ، تخرج قطعتين أو ثلاثة وترجع الباقي كومة واحدة ، سالم الأخن باضطراب وسرعة يعد سيارته العتيقة ، يسمع خالته تتحدث إلى \" سليمة \" تارة

- بعده شهرها التاسع .

تعود قلقلة إلى زوجها
- جهز سيارتك .

تخبرها سليمة وخطواتها في كل مكان .

- أنت ما حاسبة صح ، هذا شهر ولادتها .

كان وجه \" عطية \" متلونا وهي تسير بخطوات متثاقلة في الغرفة ، تستند إلى الجدار ومن ثم تقف ، ترفع أسها إلى \"سليمة \" لترد على بعض ما تسأل عنه بكلمة أو كلمتين ، تسألها عمتها عن أشياء تجيبها بالإيماء ، تعود إليها بين فينة وأخرى وتتحسس بطنها يصيبها القلق ، أكثر يتذكر أنها ابتسمت له قليلا قبل أن تجلس بإعياء ولا تستطيع الحراك .
في لحظتها شعر أن الجميع اختفوا ولم يبق إلا \" عطية \" في الدنيا معه ، كان الفراغ الكامل يشمل الدائرة التي جلست فيها ، كاد هو أن يتحرك من على النافذة ليصل إليها حين شعر أنها تشبه وجه أمه ، صرخت مرتين فعاد الجميع إلى الوجود ، سمع خالته \" شمسة \" تغلق الباب في وجهه الجميع ولا تبقي معها إلا \"سليمة \" ومن ثم ترفع صوتها لسالم الأخن وتقول

- ماشي قايدة ، راح توضع في البيت .

من النافذة لم ير يوسف إلا الدم ، دم كثير يغطي أرضية الغرفة ، يزيد مع الأنين الذي يخرج من قم \" عطية \" يعقبه صوت يشبه مواء القطط الصغيرة ، تتهلل أسارير خالته \" شمسة \" ، تمد يدها إلى أسفل \" عطية \" بهدوء تام تسحب قطعة لحم حمراء تتحرك ، تضع بين يدها ، تفتش بين الساقين الصغيرتين ، ترفع صوتها لمن هم في الخارج

- جاتنا بنت ، الحمد لله .

كانت أول مرة يراها قطعة لحم تتحرك يلوثها الدم والبكاء . تذكر أن \"عطية \" ابتسمت بإعياء وبكت بشهقة أو اثنتين ، وأن خالته وضعت صوت المواء الصغير بين يدها والابتسامة الكبيرة لا تفارقها محياها ، في الصورة التي احتفظت بها \" يوسف \" في ذاكرته كانت يدا \" عطية \" ممتدتان إلى \"سليمة \" بجسد طفلة صغيرة مغطى بقطعة قماش زرقاء .

مع الأيام شعر أن نزال تحمل بذرة في قلبها ولكنه خاف أن تكون أرضها أرض المندسة .


............................................................................................................


صورة \"مسعود الحفار \"
تراوح ذاكرته تكبر كبالون
يحتل مسلحة عقله
تدفعه إلى البكاء

في الصيف الفائت لاحظ \"سالم الأخن \" أن قدما \" مسعود الحفار \" الممتدتان على طولهما أمامه تشبه إلى حد بعيد أقدام القوادين ، كانتا مفلطحتين وكبيرتين مع طبقة لا تزول من الغبار ، كانا يفترشان الحصير الذي مده \"سالم الأخن \" بجانب سيارته ، وعندما فتح \"مسعود \" البطيخة بسكين صغيرة في يده ، اشتم \"سالم \" رائحة أزهار شجرة \" الشريش\" القريبة منهما ، كانت الشجرة كبيرة وقد تخلصت من أوراق العام المنصرم ونبت لها ورق أخضر يانع مع أزهار بيضاء صغيرة وجميلة ، أدهش \" سالم الأخن \" الخضرة القاتمة ، كان رأسه قد اصدم بغصن صغير في \" الشريش \" فعلقت بعض الأزهار على رأسه الأشيب .

أعطى \" مسعود قطعة من البطيخة الحمراء إلى سالم

- الله يزيدك خير فوق خيرك .

يضرب مسعود الحفار على قدميه ويقول
- ما دام هذي بخير أنا بخير وسلامة ,

- الحرمة يا مسعود ؟

- الحريم وايد ما يخلصن .

- ما شيء وحدة ترضى تسايرك في كبرك ؟

- دور لي حرمة مثل الأرض وأنا ماراح أخالفك ؟

يصمت \"سالم \" ، يغري صمته \" مسعود \" بالكلام

- كل قطعة أرض أحقرها تشبه حرمة ، مرة تكون الأرض تطلع ذهب ومرة ماي بارد ومرة تكون سهلة وتضحك بين يديك ، ومرة تكون متوحشة مالها غير الصبر .

كان مسعود ينتشي يرقع رأسه كديك يستعرض قوة وجمال صوته وهو يتحدث عن الأرض ، كانت أجمل اللحظات بالنسبة إليه عندما يبدأ بحفر أحد الآبار ، في البداية يشتم رائحة التراب ، يمسك حفنة منه وينظر بإمعان إلى الأرض الممتدة نحوه ، يفتح فمه ومنخريه على اتساعهما ، يبدأ بأول الحفر .

ذات يوم وصف \"لسالم الأخن\" شعوره وهو في رحم الأرض

- وأنت في الحفرة يا سالم تحس نفسك غير ، أنت وحدك مع التراب ، تحس أن الأرض تتكلم ، تصدق وتأمن بالله ،مرة سمعت صوت وأنا أحفر ، في بالي قلت صوت ولد الجن ، ومرة قلت أن الأرض مثل بني آدم تحس ، تقرب اللي تحبه وتبعد اللي ما تطيقه ، لا تستغرب يا \"سالم \" داخل الأرض قلب يحب ويكره ، قلب يدق بسرعة وبعدها يسكت ، شي عندك حرمة مثل الأرض ، تقدر تتحمل مسعود الحفار وترابه ؟ !

............................................................................................................









الفصل الثالث

\"إن شكل واحد منه ينبعث كل شكل ،
وهو المدور والأشكال كلها مأخوذة منه
لكثرة زواياه \"
التوحيدي
وحدها \"عطية \" كان قادرة على معايشة ذلك الصباح البعيد

فيه سارت الأمور مرتبة دون أن يشوبها شائبة نقص ، أغلق \" سالم الأخن غرفته التي تحتل واجهة البيت ، ربط مفتاح الغرفة قريبا من حبل حول وسطه ،في باحة الدار افترش ثلاثتهم الحصير العتيق وجلسوا متقاربين كل منهم يغطي ما يظهر من قدميه بطرف ثوبه الطويل ، مدت ست أيادي بتمهل إلى الجمرات المتقدة بالحرارة ، فتحت راحة الأيادي على بقايا النار التي تقاوم الانطفاء ، أحنى \"سالم الأخن \" يديه أكثر على النار هيئ إليه أنه سمع ذات النباح الذي يشبه العواء عند نافذة غرفته المطلة على المكان خارج سور بيته ، كان عواء مؤلما ومختلطا بحبات المطر التي اشتدت وقعا البارحة مع شدة الظلام ، حينئذ كان قد أصاغ السمع ، فتح النافذة ،شاهد وكأن ظلا يسير بعرج يهرب من أمام ناظريه ، دقق أكثر كانت صوت الريح كبيرا ، والأشجار تتمايل أمامه وظلها يشكل لوحات من انعكاس الظلام ، لدقيقة أمعن النظر إلى الظلام سكت الصوت تماما ، بوجل أغلق نافذة غرفته، حدث نفسه أن الريح ربما كانت تنوح ، كاثنت موقنا أن كل شيء في الكون يجرب الحزن والفرح ، حتى الحجر يفعل ذلك ، والريح تحزن فيظهر حزنها في ذلك العواء الذي تنشره على قمم الجبال فروع الأشجار ، ومن ثم و بعد أن يشبع حزنها تعود ساكنة مطمئنة كنفس الإنسان ،تفرح ، تتحول في فترة إلى نسيم لطيف .

في جلوسه ذلك ، حرك قدميه وهم بأن يقوم ، أحسن أن وجه \" شمسه \" ينظر إليه ويمنعه من الوقوف عاد واسترخى قليلا ، في لحظتها سقطت حبات المطر من الجريد المسقوف فوقهم وتسللت إلى جسد \" شمسة \" ، ارتجفت وهي تشعر ببرودة حبات المطر على جلدها .
فركت \" شمسة \" أطراف أصابعها بعضها ببعض بعد أن أحست أن الدفء الذي سرى إليهما ، أمسكت باليد اليمنى دله القهوة وقالت
- اقعد يا سالم وأشرب قهوتك قبل ما تطلع .

كانت حبات المطر ما تزال معلقة على أوراق شجرة الليمون أمامهم وعندما سقطت قطرة صغيرة على رأس \" نوال \" ركضت إلى جديها وهي تصرخ

- أبوي سالم ، سيل ، سيل .

تركت \" عطية \" الصحون التي تغسلها من يدها ، نقضت رغوة الصابون من بين أصابعها ، نظرت إلى أبنتها وهي تراقب حبات المطر على أوراق شجرة الليمون ، في داخلها شعرت بأنها هشة جدا وأن ماء المطر الذي غسل الأرض في المساء الفائت قد أغرقتها ولم يبقى من نبض الحياة شيئا . كانت هنالك دائما أيام تصبح فيها قابلة للكسر والانثناء بأقل كلمة قد تصدر من شخص ، تحس أن الجميع يلبس قناعا يحاكي وجه \"مسلم \".
في تقافز \" نوال \" كانت صورة \" مسلم \" جارحة في مخيلة المتخلقين حول النار .

ضم \"فرج \" يديه مع بعضهما البعض ، وأخذ فنجان القهوة من يد \" شمسة \" وقال ضاحكا

- هاتي القهوة يا الوالدة .

في الساعة التي وضع فيها \" سالم \" قدمه خارج البيت كانت الريح الخفيفة تحرك أغصان الأشجار في طريقه ، رفع يده اليمنى إلى جبهته ومن ثم رفع جبهته إلى السماء ، تذكر عندما نام ليلة البارحة تمنى في نفسه أن يجد السماء وجه السماء الأزرق المعهود وأن تستقبله الشمس بلونها الذهبي ، أعاد يده إلى جانبه ، سار متجنبا برك الماء ، كانت الغيوم ما تزال تحجب ذلك اللون الجميل الذي يعشقه .

تتبع \"سالم الأخن \" الأثر في كل اتجاهاته ، كانت الخطوات ما تزال طرية وتكاد أن تكون متفرقة وأحادية على الطين الرطب ولها أكثر من حجم ، قريبا من زريبة ماشية ، عالج غصنا من شجرة\" الغاف \" أمامه ، خمن في نفسه أن ثلاثة كلاب مرت من هنا وهي قد مرت معهم ، ما يزال العرج القليل واضحا في قدمها ،منذ سنوات حكى له والده كيف أن جده ركض في نفس مكان بيتهم الآن وهو يحمل سلاحه في يده وكيف أنه صوب ناحية إحدى الكلاب وأصاب جروا صغيرا في مقتل بينما خدش أمه في ساقها وأن تلك الكلبة عادت إليه ونادت اسمه في الظلام الكثيف ، قالت

- راس براس .

ووعدته بأن لا تبقى له نسلا يدب على الأرض .
فتح الزريبة طالعته الرائحة النتنة منها ، سار بين المواشي ، عدها بالغصن في يده ارتخت قسماته تتطلع بوجه إلى الماعز الكبير . كل شيء كان قابل للمساومة حتى أعمار الناس ، أصبحت مسألة مساومة الرؤوس محققة بعد أن ذهب \"مسلم \" ، لم يبقى من نسل \"ولد الأخن \" إلا رأس \" فرج\" ومن خلفه رأس أبنه \"عيسى \" ، والبقية الباقية كانت رؤوس النساء ، والدنيا لا يمكن أن تورثها للنساء لأنهن يعجزن عن حمل أسماء العائلات وتغيب أسماؤهن في أسماء أزواجهن ، وهكذا كان \"سالم \" الأخن يخاف أن تموت ذكر عائلته ويبقى معلقا بسرية قاتلة في أسماء البنات .

خرج لفح وجهه هواء بارد ، كانت الغيوم ما تزال تغطي اللون الأزرق ، جلس القرفصاء ونظر إلى البيوت الثلاثة أمامه ومن ورائها الخلاء الكبير ، أقر في نفسه أن بيوتا جديدة ستعرف أرض المندسة قريبا .
............................................................................................................

كانت غمامة كبيرة ،غطت
المكان الذي ينظر إليه من النافذة
سمع ثغاء الأغنام
فرح ،و نادى على \"شمسة \"

منذ بضعة أيام فائتة كان \"سالم الأخن \" وجلا ، أعطى الزريبة المقابلة لمزرعته ظهره ، افترش مكان صلبا من الطين ، كان في يده عود يعبث فيه بوجه الأرض ، عرف الجميع أنه ينتظر خروج\" شمسة \" من الزريبة ، أصاغ سمعه لأي صوت قد يصدر وتجاهل الرطوبة التي عبقت بالمكان ، في داخله تمنى من الله أن تكون هذه السنة سنة خير عليه ، لقد مرت عليه سنوات شعر أن الدنيا تقف في صفه ، فيشعر بالعظمة ، التفت إلى الزريبة بطرف عينيه ، في صباح اليوم ذاته عرف من الحركات الكثيرة للشاه كبيرة بأنها ستلد ، نادى على \"شمسة \" كان يثق بها رغم أن بصرها كان قد كف الآن ، وقفت بوجل بجانب الزريبة وعندما دخلا معا شعر أنه يعود عمرا كاملا ، وعندما أمسك يدها ودلها على الشاه ،وضعت يدها على البطن
- ما عليها باس ، بس الله يسهل .
، يتذكر أول لقاء استطاع فيه أن يقهر فيه \"شمسة \" ابنة عمة البيضاء الجميلة ، كانت العادة تقتضي في أيامه بأن يركض العريس خلف عروسه خلال ثلاثة أيام و لا يكون الزواج معترفا به إلا إذا تمكن منها ، وقهرها تحته وخرج منتشيا منتصرا وإلا كان الزواج باطلا .
أعيته \"شمسة \"خلال تلك الأيام الثلاثة كانت تهرب لكل مكان وتخفي رائحتها معها ، كانت العيون كلها تتحفز بينما أصبح هو في بداية اليوم الثالث مرهقا وتعبا ولا يتكلم مع أحد إلا ليصرخ بصوت مجروح ، عيناه كعيون القطط تبحث عن شيء واحد يتحرك لينقض عليه ، وبعد أن اقترب العصر شاهدها ظلها وقطعة ثوبها الأحمر من وراء باب الزريبة ، في يومها رأى شمسة أمامه بكل البهاء الذي تصوره ، لم يبالي بالخدش الذي تسبب ظفر \"شمسة على رقبة ولا بالدموع التي رآها في عينيها وهي تستند إلى جدار الزريبة ، كانت الحيوانات تصدر أصواتا مختلفة تطغي على صوت \"شمسة \" وكانت رائحة جسد المرأة بين يديه تمحو كل رائحة أخرى في الزريبة ، كانت تلك المرة الوحيدة التي شاهد فيها \"شمسة \" عارية وحيدة وترتجف ، غطاها بثوبه ، وعندما خرج كانت وجوه أهل المندسة في ذلك الوقت قد اختفت ، سار يحمل \"شمسة \" على كتفه أمامه الأرض التي استوطنوها .
في السنوات التي عاشا معا كان إذا قرب جسده من جسدها بان اختلاف لوني الجلديين فاضحا ، كانت بيضاء ،وقد جعلها ذلك تظهر السلطة من بين رموشها ، تشعر بالتميز لعرق الدم الذي يسري في جسدها ،والذي حملته العائلة بين خلاياها الممتد إلى جد لا يعرفون جيله تحديدا ،في اللحظات التي ينفرد بها كان يشعر أنه كالثور الجبان تربطه \"شمسة \" في زاوية مشمسة وتنساه في حر الظهيرة ، يبقى يدور في دائرة واحدة ليس لها زاوية تركن إليها \"شمسة\" ، كلما اقترب منها وكانت \"شمسة \" تجفل، يشعر بذلك في الخوف فيها رغم أنها تبتسم له . يصحو فيجدها نائمة بعيدة عنه ، يشعر بالتعب وبتكسر في كل جسده ، وأن رأسه كطبل يكاد أن يقتله ، يبتعد عن \"شمسة \" وبعد شهر تستفزه صورة الثور ويعود لتلك النظرة المتكبرة في عينيها .

في شبابه الأول كلم \"مسعود \" عن رغبته بالزواج بأخرى وفي الوقت الذي أخذ ه مسعود إلى بيت رجل بدوي عرفة صدفة وعرف أن لديه بنات ، عندما يتذكر بنت البدوي يتخل نوال مكانها ، كانت بحجم وركه أو يقل ، بجدائل مبعثرة ونظرة طفلة لم تدنسها الحياة بعد .في يومها ترك \"مسعود \" وعاد وحيدا وكان العرق يبلل ملابسه .

عادت \" شمسة \" الى مرآه ، ففي سنة زواجهما الأولى مرت عليهم محنة، حيث ماتت فيه رؤوس الأغنام ، وأصبح نزول المطر نادرا ، ولم يجدوا إلا التمر لقوت لهم ، ولم يضمن لهم الخروج من تلك المحنة إلا تدبير \" سالم الأخن \" الذي نزل إلى السوق عمل بيع بعض طعام الحيوانات وأصبح يحدد حصة من التمر لهم يأكلونها يوميا ، من وفتها بقي يحتفظ بالتمر في غرفته .
دقق السمع أكثر نحو الزريبة لم يسمع أي صوت .

المولود الأول له كانت يشبه \"شمسة \" ، مات بعد أن أكمل شهره التاسع في بطنها ، بعدها لم تنجب شمسة أحدا يشبهها أبدا . رآها تحزن وتتألم ، بالنسبة إليه كان غريبا حزن النساء ذلك الذي بقيت تذكره كلما عدت أطفالها .
............................................................................................................

كان \" مسلم\" غائبا
و فضل \"يوسف \" أن يقضي العيد بعيدا عنهم .
لبس \"مسعود \" ثوبا بنيا وجلس إليهم

كثيرا ما كانت تحكي \"سليمة لأهل \"المندسة \" عن المرأة الفقيرة التي سمعت عنها في البيوت الجديدة ، تلك المرأة التي توفيت منذ ما يقارب العامين وهي لم تكمل عمرها الأربعين كانت تشغل حياتها - بعد وفاة زوجها- بتوفير الطعام لأطفالها وتعمل من أجل راحة أسرتها ، في الصباح كانت تمر على البيوت وتنظف كل شيء يطلب منها أن تنظفه ، بعد عدة شهور انتهى الأمر بتلك المرأة أن تنظف زرائب الحيوانات ، كانت تخرج من زريبة لندخل زريبة جديدة ، و بعد خمس سنوات من العمل المضني ، وجودوا أنها ماتت وحيدة على فراشها بعد أن أصابتها الحمى بثلاثة أيام . تتذكر \"سليمة \" أنه كلما حضرت سيرة تلك المرأة في بيوت \" ولاد ساعد بن هلال \" كانت أكثر من يد ترفع وتطلب لتلك المرأة الرحمة والمغفرة

- الله يرحمك يا زكية ويغفرك .

في المرة الأولى بكت \"سليمة \" تلك المرأة كما تبكي أهلها ،في نفسها كان موتها بمثابة الكي بجمر في الروح ، شعرت أنها تعرفها منذ دهر طويل ، وفي السنوات اللاحقة لا تنكر أن شعرت بالخوف من تموت وحيدة في طريقها إلى البيوت الجديدة ،وأن تكون هي الظهر الوحيد الذي تستند عليه المندسة حتى يصاب بالنخر وينكسر .

في ذلك العام أتى العيد حارا ، خاطت \" سليمة \" للأطفال ملابس من قطع القماش التي كانت تحتفظ بها ، و على نخلة النغال كانت حبات التمر بدأت تأخذ لونها الأصفر الكامل ، جهزت النساء ،ـ أواني الماء ، حد \"سالم الأخن \" سكينه وأعطاه عيسى ، غطت \"نوال \" وجهها سمعت ثغاء التيس الأسود الكبير الذي رأته في زريبة جدها.
وضعت \"سليمة \" اللحم في الماء ورفعت قيلا ثم وضعته في أحد الأواني .
من زاوية بعيدة بدت \"عطية \" زاهية بالثوب الملون بألوان مشرقة ، شعرت \"سليمة \" أن أختها أصبحت أنحف مما كانت عليه وأن مسحة الحزن التي ظلت بادية على وجهها منحتها جمالا جديدا خفف من انعكاس بشرتها السمراء . من بعيد ابتسمت لها \" سليمة \" ورفعت اللحم الطري لها .
............................................................................................................




أخبرها صوت الريح بالصورة الكبيرة
كانت نوال تحتل روحها، فيما يوسف يسكن
قلبها

الأرض كانت هي من تكلمها في كل حين ، حتى عندما كانت الأفكار تموج في رأسها ، كانت تعود إلي صورة أختها ،تتلمس وجهها على الهواء القريب منها ، كلاهما أخذ قسطا وافرا من الغربة ، ففي الوقت الذي تزوجت فيه هي رجلا من خارج \" المندسة \" وجربت غربة الموت باكرا دون أن يتسنى لها أن تربى الطفل الوحيد الذي حلمت بإنجابه ، كانت \" شمسة \" تشعر بالغربة في وجود \" سالم الأحن \" وكل من حولها ، عندما كانت طفلة كانت تكلم الشجر والطير والحجارة ، كانت تشعر أن البشر لن يصلوا إلى ما في داخلها ،تتذكر أنها كانت تسمى عناصر الأرض بأسماء البشر، تشعر أن الأرض تدفن هموم الناس وتحيلها الى سرور ، فحين كانت تحزن كانت تجري إلى شجرة المانجو العالية وتناديها باسم فرحة وتشعر أن الشجرة تفهمها و تتشرب منها الحزن وأنهما يدفنان سرا بينهما في كل مرة ، وفي الوقت الذي كانت فيه تفرح تأخذ قرصا يابسا من طين الأرض تلحسه بلسانها وتطلق عليه اسم فرحان ، وبعد ذلك تبقى تشمه إلا أن تشعر أنه أصبح فراشة وأصبح يطير بين يديها .

بدأت بيوسف \" سابقا كانت \"شمسة \" تشم رائحته التي تحفظها في قلبها أولا ثم سمعت وقع أقدامه على الحجارة الصغيرة التي فرشت بها باحة البيت ، كان بسير بنشاط وكأن الأرض تطوى تحت قدميه انتظرته بابتسامة عريضة على وجهها زادت من اشراقة بشرتها البيضاء وأزال شيئا من التجاعيد التي خطت على خديها ، اقتربت منه منها حتى تسمع حفيف ثوبه قريبا منها ، كادت أن ترى في داخلها وجه ، لا ريب أنه يشبه صورة أمه الآن أكثر ، أمسك رأسها بين يديه وقال والضحك يغالبه .
- مساك الله بالخير يا شمسة .
أمسكت بيده وقرصت خده تأوه في ضحك ،قالت له
- أنا شمسة ، عيب عليك ، تقول لخالتك اسمها بس .

ضحك أكثر ، كانت تشعر بالحبور كلما ضحك ، تشعر أن الضحك يخرج من فلبه ، في بعض الأحيان كان يلح عليها السؤال هل عاملته كما عاملت أبناءها أو أحفادها ، وحين شدت على يديه أقرت في نفسها أنه كبر ،و زاد الشعر غي يديه كثافة ، كانت البحة الغليظة في صوته واضحة ورائحة الذكورة تشمها كلما اقترب منها ، وحدث مرة أن تلمست أعلى شفته العليا كانت الشعيرات قد طالت وزادت خشونة .تفتعل الغضب في صوتها وتسأله
- من وين راجع في الوقت ؟

يمد يده إليها بالكتاب في يده ، تمرر أصابعها بين أوراق الكتاب

- كنت فوق السبلة أراجع ،. ما تصدقين يا شمسة ؟

منذ كان عمره يقل عن العشر سنوات بعامين عندما أتاها وفي يده حقيبة صغيرة تضم ملابسه ، كان صامتا ولا يتحدث ، وكمن نسي أمر هاما أخرج من جيبه ورقة نقدية ومدها إليها بخوف وقال
- أبوي يقولك هذي حالك وخالي بالك من يوسف .

نوال كانت التالية ، بين يديها كانت كشعاع جميل ، تشبه ضوء الشمس الناعم ، سمعت ذات مرة عن الجنية الني تأخذ الأطفال من سريرهم إذا وجدتهم لوحدهم في فترة شهرهم الأول ، فوجدت نفسها تجلس بجانب سريرها ولا تتركها ، وتتذكر\" شمسة \" فيما تتذكر بأنها أبصرت نورا خاطفا يمر بجانب نافذة غرفة \" عطية \" ، كان قلبها ينقبض كلما شعرت أن سوء يتربص بنوال أو يحيط بيوسف ،فيهما فقط كانت تحس بأن الحياة تعود إليها ، أنها تستطيع أن تحرك جسدها في كل اتجاه ،عندها تعود بقوة إلى الأرض ،تختفي في بقعة بعيدة عن البشر ، تأكل شيئا من التراب تكلم الحجارة والشجر بصراحة عن ألمها ، تمضي ساعات طويلة تسأل تنتظر من كل شيء حولها أن يجيب .

عندما فقدت بصرها ولم تعد ترى الأشياء إ