القصة القصيرة: المهندس للكاتب محمد عيد العريمي
06-18-2011 09:11 مساءً
0
0
456
\"المهندس\"
لـلكاتب : محمد عيد العريمي
بلّغ رب الأسرة التي كان يقيم معها، خلال السنة الدراسية الأولى في لندن، الشرطة عن اختفاء قنينة نبيذ مُعتَّق، وبعض اللحوم المدخنة من مخزن العليّة. وذكرت صاحبة البيت أنها لاحظت في الآونة الأخيرة نقصاً في بعض المواد الغذائية المعلبة من خزانات المطبخ، غير أنها فضلت التأكد، قبل أن تُبلغ عنه، أن شكوكها في محلها\". هذا ما سمعته من فم أحد زملاء دفعته الدراسية في بريطانيا، ومن المترددين على السبلة يقولها لآخر، بينما كان المُتَحدَّث عنه يفرك مقعده كأنثى طؤاوس تُُدفئ بيضها بحذر قُبيل أن ترى فراخها النور.
باهت السحنة.. متوسط الطول، ونحيل الجسد. لا ينم شكله عن شيء، واسمه مكرراً لا يخلو منه بيت، ولا يوحي بشيء. كان يصر على أن يُنادى بين أهله بلقب \"المهندس\" قبل أن ينال الدرجة. سمعتُ احد معارفه يقول أنه كان يرشي صبيان الجيران \"فلوسا\" لمناداته بـ\"المهندس\" فقط؛ فاشتهر بلقبه، ونسى الناس أسمه!
عاد من بريطانيا بعد حصوله على شهادة بكالوريوس، و\"عرض مغرٍ للعمل مع إحدى الشركات الهندسية العملاقة براتب وميزات لا يرفضها عاقل\"، حسب قوله: \"ضحيت بذلك وعدتُ لخدمة الوطن\". يكرر ادعائه كلما لاحت له فرصة، بقوة وبصوت مرتفع.. يلفت الانتباه، وبإيحاءات من أسدى معروفاً لم يُشكر عليه.
سمعتُ زميل دفعته الدراسية يهمس لصاحبه: \"هذا السافـ.. كذاب، فهو بالكاد تمكن من تجاوز الحد الأدنى للنجاح، بعد أن قتل كل أفراد أسرته كذريعة لإعادة امتحانات المواد التي فشل فيها\".
بعد تخرجه وعودته من بريطانيا، وقد استنفد سنتين بعد السنوات الخمس ـ المدة المعتادة لنيل شهادة \"بكالوريوس\"، أمضى وقتاً طويلاً في إحدى المؤسسات الحكومية، حيث شغل طاولة شاغرة ومسمى وظيفي من دون عمل.
وعمل مساء في مكتب للاستشارات الهندسية براتب زهيد إلى أن نزل عليه الحظ من السماء بلا مقدمات، فقد كُلف من قبل المكتب الذي يعمل فيه بالإشراف على بناء قصر أحد \"الكبار\".
وكان عند حسن ظن صاحب المُلك، الذي وضع في جيبه رزمة من النقود، بينما كان في زيارة للموقع، بعد أن وشى بتجاوزات في مواصفات البناء بتهاون من قِبل مهندس آخر من مكتب الاستشاري.
طرده صاحب المكتب، وقدم استقالته من الوظيفة الحكومية، بعد أن ضمن وظيفة مرموقة ومجزية مع صاحب القصر. بيد أنه لم ينس، قبل أن يترك المكان، أن يلعن مديره في وجهه، بعد أن كان يكيل له الشتائم في ظهره كلما ناداه باسمه مجرداً من لقب \"المهندس\"، أو طلب منه انجاز ما ينجزه عادة فراش الدائرة، وتفرغ للإشراف على بناء القصر، ومبانٍ أخرى تعود ملكيتها للشخص نفسه!
بعد خمس سنوات، وقد أبدى استعداداً منقطع النظير لانجاز كل ما يُسند إليه، صدر أمرا بتعينه رئيس هيئة خدمات المدنية.. لا غرابة إذا عرفنا أن \"ولي نعمته\" زكاه بقوة لتولي هذا المنصب.. لا إعجابا بمهاراته، ولم يكن \"المهندس\" الرجل المناسب في المكان المناسب، وإنما لما أظهره من إخلاص وطاعة خلال المدة التي قضاها في خدمته.
كان لصاً صغيرا.. كبر وكبرت معه عادته، وتعددت أشكالها، ففي غضون بضع سنوات، توسعت مجالات عمل مؤسسة \"ريفيرا\" للهندسة والمقاولات، المملوكة لأخيه علنا، وسراً باسمه على أوراق شهد عليها، بالتوقيع والبصمة، أفراد أسرتة كافة.. وقد أصبحت من أهم شركات المقاولات في البلد وأسرعها نمواً.
كُرِّمَ، بتوصية من \"عرابه\"، أكثر من مرة على خدماته الجليلة وأداء الهيئة في مواجهة ظروف صعبة ألمت بالبلاد والعباد، وأعطي صلاحيات لم ينلها من تناوبوا قبله على الكرسي؛ فأنسته نفسُه نفْسَه ـ أول قلْ ضحكت عليه، وظن ـ مجتهداً في تفسير ما حظي به من مكانة ونفوذ ـ أنه دخلَ الدائرة الخاصة، التي لا يطال أفرادها المحاسبة ولا ينالها نقد، فغدى مصدر حرج وخسارة لمن رسم له الدور، وحركه على رقعة الشطرنج طوال عشر سنوات ـ ومثله كثر.
سقط \"عرَّابه\"؛ فاهتز الكرسي تحت مقعده، وسرعان ما وجد نفسه بلقب انتهت صلاحيته، ولم يعدْ يفيده بشيء! بيد أن ما سرقه من مال، وما حصل عليه من امتيازات، لم تغير من طبعه شيئا؛ فقد أخذ يتردد على الأبواب العالية يمارس بكل ابتذال عادته القديمة.. يشتكي من ضيق ذات اليد، وهو يمد كفه، ويرتدي ثوب المسكنة!
لـلكاتب : محمد عيد العريمي
بلّغ رب الأسرة التي كان يقيم معها، خلال السنة الدراسية الأولى في لندن، الشرطة عن اختفاء قنينة نبيذ مُعتَّق، وبعض اللحوم المدخنة من مخزن العليّة. وذكرت صاحبة البيت أنها لاحظت في الآونة الأخيرة نقصاً في بعض المواد الغذائية المعلبة من خزانات المطبخ، غير أنها فضلت التأكد، قبل أن تُبلغ عنه، أن شكوكها في محلها\". هذا ما سمعته من فم أحد زملاء دفعته الدراسية في بريطانيا، ومن المترددين على السبلة يقولها لآخر، بينما كان المُتَحدَّث عنه يفرك مقعده كأنثى طؤاوس تُُدفئ بيضها بحذر قُبيل أن ترى فراخها النور.
باهت السحنة.. متوسط الطول، ونحيل الجسد. لا ينم شكله عن شيء، واسمه مكرراً لا يخلو منه بيت، ولا يوحي بشيء. كان يصر على أن يُنادى بين أهله بلقب \"المهندس\" قبل أن ينال الدرجة. سمعتُ احد معارفه يقول أنه كان يرشي صبيان الجيران \"فلوسا\" لمناداته بـ\"المهندس\" فقط؛ فاشتهر بلقبه، ونسى الناس أسمه!
عاد من بريطانيا بعد حصوله على شهادة بكالوريوس، و\"عرض مغرٍ للعمل مع إحدى الشركات الهندسية العملاقة براتب وميزات لا يرفضها عاقل\"، حسب قوله: \"ضحيت بذلك وعدتُ لخدمة الوطن\". يكرر ادعائه كلما لاحت له فرصة، بقوة وبصوت مرتفع.. يلفت الانتباه، وبإيحاءات من أسدى معروفاً لم يُشكر عليه.
سمعتُ زميل دفعته الدراسية يهمس لصاحبه: \"هذا السافـ.. كذاب، فهو بالكاد تمكن من تجاوز الحد الأدنى للنجاح، بعد أن قتل كل أفراد أسرته كذريعة لإعادة امتحانات المواد التي فشل فيها\".
بعد تخرجه وعودته من بريطانيا، وقد استنفد سنتين بعد السنوات الخمس ـ المدة المعتادة لنيل شهادة \"بكالوريوس\"، أمضى وقتاً طويلاً في إحدى المؤسسات الحكومية، حيث شغل طاولة شاغرة ومسمى وظيفي من دون عمل.
وعمل مساء في مكتب للاستشارات الهندسية براتب زهيد إلى أن نزل عليه الحظ من السماء بلا مقدمات، فقد كُلف من قبل المكتب الذي يعمل فيه بالإشراف على بناء قصر أحد \"الكبار\".
وكان عند حسن ظن صاحب المُلك، الذي وضع في جيبه رزمة من النقود، بينما كان في زيارة للموقع، بعد أن وشى بتجاوزات في مواصفات البناء بتهاون من قِبل مهندس آخر من مكتب الاستشاري.
طرده صاحب المكتب، وقدم استقالته من الوظيفة الحكومية، بعد أن ضمن وظيفة مرموقة ومجزية مع صاحب القصر. بيد أنه لم ينس، قبل أن يترك المكان، أن يلعن مديره في وجهه، بعد أن كان يكيل له الشتائم في ظهره كلما ناداه باسمه مجرداً من لقب \"المهندس\"، أو طلب منه انجاز ما ينجزه عادة فراش الدائرة، وتفرغ للإشراف على بناء القصر، ومبانٍ أخرى تعود ملكيتها للشخص نفسه!
بعد خمس سنوات، وقد أبدى استعداداً منقطع النظير لانجاز كل ما يُسند إليه، صدر أمرا بتعينه رئيس هيئة خدمات المدنية.. لا غرابة إذا عرفنا أن \"ولي نعمته\" زكاه بقوة لتولي هذا المنصب.. لا إعجابا بمهاراته، ولم يكن \"المهندس\" الرجل المناسب في المكان المناسب، وإنما لما أظهره من إخلاص وطاعة خلال المدة التي قضاها في خدمته.
كان لصاً صغيرا.. كبر وكبرت معه عادته، وتعددت أشكالها، ففي غضون بضع سنوات، توسعت مجالات عمل مؤسسة \"ريفيرا\" للهندسة والمقاولات، المملوكة لأخيه علنا، وسراً باسمه على أوراق شهد عليها، بالتوقيع والبصمة، أفراد أسرتة كافة.. وقد أصبحت من أهم شركات المقاولات في البلد وأسرعها نمواً.
كُرِّمَ، بتوصية من \"عرابه\"، أكثر من مرة على خدماته الجليلة وأداء الهيئة في مواجهة ظروف صعبة ألمت بالبلاد والعباد، وأعطي صلاحيات لم ينلها من تناوبوا قبله على الكرسي؛ فأنسته نفسُه نفْسَه ـ أول قلْ ضحكت عليه، وظن ـ مجتهداً في تفسير ما حظي به من مكانة ونفوذ ـ أنه دخلَ الدائرة الخاصة، التي لا يطال أفرادها المحاسبة ولا ينالها نقد، فغدى مصدر حرج وخسارة لمن رسم له الدور، وحركه على رقعة الشطرنج طوال عشر سنوات ـ ومثله كثر.
سقط \"عرَّابه\"؛ فاهتز الكرسي تحت مقعده، وسرعان ما وجد نفسه بلقب انتهت صلاحيته، ولم يعدْ يفيده بشيء! بيد أن ما سرقه من مال، وما حصل عليه من امتيازات، لم تغير من طبعه شيئا؛ فقد أخذ يتردد على الأبواب العالية يمارس بكل ابتذال عادته القديمة.. يشتكي من ضيق ذات اليد، وهو يمد كفه، ويرتدي ثوب المسكنة!