المنحى الرمزي للعناصر في المجموعة القصصية العناصر للكاتب المغربي أحمد شكر
06-15-2011 07:23 صباحاً
0
0
319
المنحى الرمزي للعناصر في المجموعة القصصية العناصر للكاتب المغربي أحمد شكر
يقدمها الناقد والقاص محمد محقق - كاتب مغربي
إن المجموعة القصصية \'\' العناصر\'\'للكاتب المغربي أحمد شكرقد حملت من خلال مضامينها ومحتوياتها الحكائية مجابهة عنيفة مع واقع لا يقبل المهادنة أو الاختزال، فالأحزان تعتري يوميات الناس الفارغة من أي شيء له معنى بل التي تحتشد بتفاصيل اليومي الصعب ومؤشرات الموت البطيء.. والمشاهد التصويرية لا تعبر بالعين دون أن يثير فيها شغف التحديق في شريطها السلبي حيث الصور تختزن احتدام الدلالات وأبعادها، صور تفرض نفسها لأنها تتلمس الحسي والملموس في بنائها..كما يظهر قدرا من الانطوائية في محاورة الذات المهددة بمشاعر اليأس والموت وجراح الحياة التي يكسرها العويل والبكاء..
والمجموعة تقوم على التأمل والاستغراق في أفكار كبيرة محورها الذات والوجود ورصد الواقع الذي يمور بالسخرية و اللا جدوى ...
(سيرة حزن مستديم ينفضح كاشفا عورتنا جميعا ويتقيأ كل يوم حزنا وموتا مكرور...) جثامين ص11

يعكس العنوان انكسار الأشخاص الذين يقذفهم البحر كسلع انتهت صلاحيتها في لحظة من لحظات ضعفهم في معترك أمواجه الهائجة المقترنة بالمخاطر والغدر جراء العواصف العاتية التي تمثل مصادر القلق والخوف لكافة الناس رغم احتياجاتهم لخيرات البحر الوفيرة الذي صوره السارد هنا منتصرا على هؤلاء المتعطشين لعبوره للضفة الأخرى عبر قوارب متهرئة ونتيجة ضعفهم في مواجهة جبروته وقسوته فكانت النتيجة سلب أرواحهم البريئة وإطفاء شمعة أملهم في الوصول إلى هناك حيث العيش الرغيد وآثار النعمة المنتظرة لكن هيهات هيهات فالرياح جرت بما لا تشتهيه سفنهم القديمة المتهالكة..
والسارد في قصته هاته يسعى إلى إبراز العوامل التي كانت سببا في ما يلفظه البحر من جثامين وهي الهجرة السرية عبر قوارب الموت فرارا من البطالة المتفشية بامتياز في واقع عرفت أسعاره ارتفاعا مهولا أدت بكثير منهم إلى العيش في متاهات فقر مدقع لم تترك لهم خيارا سوى المغادرة إلى عالم الأحلام لتفادي هذه المعاناة اللانهائية إضافة إلى رؤيتهم لمن من عليه الله وأكرمه في غربته عائدا إلى أرض موطنه ومظاهر الغنى بادية عليه دون نسيان عامل القرب الجغرافي لأوروبا الذي يحمسهم أكثر لهذه المغامرة القاتلة التي تبيد أكثرهم دون رحمة أو شفقة ...
ثم يسترسل السارد في انسياب المتعة مع نبض الحياة في جداول الاحتضان المجنون حيث المتح من سيمفونية موسيقى يتخللها الرقص والطرب الذي ينسي وجه الصحراء المأهولة جراء هذه الألفة والتلاحم والانسجام التي تخلقه هذه الصحبة الجماعية معبرة عن ما يجيش في الصدور التواقة إلى إحياء هذا الفن الذي يجعل الفرد يذوب في الجماعة محققا إشعاع روح الإنس بينهم، والسارد هنا يحلق بالقارئ ليذكره أن اللغة هي الوسيط الحامل للتراث تمثلا واستيعابا و إغناء وإبداعا وأنها مسكن الذات حسب تعبير هايدجر،((رمز الماء يمتزج وجدانيا برموز متعارضة فيما بينها كالولادة والموت ، إنه جوهر ملئ بتذكارات العرافات وأحلام اليقضة) والسارد يتأمل البعد الوجودي للمرأة والماء والغناء في إشارة منه على إبراز هذه الثلاثية أنها إيقاع حركية العالم والمشاركة في إشعاعه حيث الاعتماد على التلقائية في الأحاسيس ومنح الحياة و وجه التشابه بين هذه الثلاثية أن المرأة طاقة متفجرة من الأنوثة والمشاعر التي تدفع الإنسان/ الرجل إلى أن يحيا من جديد وكذا الماء الذي هو أصل الوجود والغناء لا يمل من تحرير اللغة من محدوديتها ومن دلالتها فهو جوهر لا يمكن أن يستغنى عنه مثله مثل المرأة والماء إذ أنه حاجة من حاجات الإنسانية الأساسية .. وإذا اعتبر السارد الماء/ الخمر فإنه عندما يقع الرجل بالخمر فإنه يكون عبدا للزجاجة التي تذهب عقله وفطنته وكذا عشقه للمرأة يجعله لا يقاوم عطرها وسيطرتها مهما تظاهر بالكبرياء والشموخ خاصة عندما يصاحب هذا الجو غناء يتعانق فيه جمال الكلام وصدق المعاني...
(في حضرة المرأة والماء تنخسف اللغة ، فكيف إن كان هناك غناء ، غناء حقيقي ينبع من ذوات متجذرة في الأرض كأنها امتداد للتلال الحاضنة هذا الخلاء) ماء ص14
ثم ينتقل السارد من رمزية الماء إلى رمزية التراب حيث يعبر السارد عن مدى علاقة الروح بالجسد الترابي الحميمة عبر صور معبرة ومسنونة بجحافل الألم والقسوة والحزن وهو يتذكر حضن أمه الحنون وهي لحظة من اللحظات الصعبة والمشحونة بكل ألم الدنيا التي لا تتحمل سوى لملمة جراح ووقف نزيف مشاعر حزينة ((تنقصه شجاعة الوقوف إلى القبر والتحديق في الشاهدة لتهجي اسم الأم التي عجنت أيامه بميسمها البسيط العميق)العودة إلى هناك ص63
والملاحظ من القصة أن السارد تتأرجح حياته بين البحث عن الأمن والطمأنينة و نسيان وتجنب الألم ، حين يشير إلى مسألة حتمية هي مشكلة الموت المتواجد في أعماق النفوس والتي ترفضه بكل كيانها محاولة تجاوزه لأنه يشكل لها ألما أكبر في هذا الوجود ، كما أن الإحساس بفقدان عزيز يجعلها تشعر بالخسارة التي أصابتها وما سيحل بها مستقبلا مدركة أن الموت هو انتزاع حقيقي لهذه الحياة المعيشة وأن أمانها ومشاعرها سترتطم على صخرته يوما ما .. ثم يعرج السارد بالمتلقي رافعه عبر رمزية الهواء الذي امتد بدوره على مساحة واسعة يبحث فيها عن خلاصه من الالتصاق بالأرض و السمو فوقها لتجاوز وتخطي جاذبيتها متخيلا أنه صار له أجنحة عصفور امتلك بها قوة قضى بها على بِؤسه وشقائه وعقدته وهو يحلق في السماء عبر لغة يومية متداولة وبسيطة ليزرع في الآخر بذور التمرد على الأرض كعنصر وضيع وأن السماء عنصر جليل وسامي ...((تمدد فوقه (السرير المطاطي) ونام...نام كما لم ينم قبلا رائيا في درج رأسه أنه استحال إلى عصفور ملون جميل، حلق بجناحيه الصغيرين الرائعين في السماء بعيدا عن الأرض)) سرير على الهواء ص42
هنا يلاحظ القارئ أن السارد اعتمد على عنصر الخيال الذي هو سيد عناصر الأدب ليؤجج الواقعة الموصوفة ويربطها بثنايا الحدث مكسوة بسحنة جمالية ليأسره ويدفعه للتعاطف معه..
ثم ينقله من خلال هذه الرؤية التصويرية إلى واقع التعليم القروي في علاقته بهيأة التدريس ليلامس عمق المعاناة التي يكابدها هؤلاء وإغفال المسئولين البحث عن الوسائل الكفيلة التي تضمن لهم عدم انتشار ظاهرة الغياب المبرر و غير المبرر التي تحيل البعض إلى عدم أداء واجبه مما يعرض جيلا بكامله/ المتعلم، لعقاب الجهل والأمية لا يتحمل فيه أدنى مسؤولية كونه ازداد بهذا المكان المقفر... والمغزى الذي ينبغي استخلاصه من القصة هو الوقوف عند المسئولية المشتركة بين جميع الأطراف( الدولة، الأسرة، هيئة التعليم..) من دون استثناء...
(كانوا متأكدين من نزق ولدهم ومن إخلالا ته بواجبه في مهنته التي دفعوه إليها دفعا، هو الذي كان مفتونا بصوته وبأضواء الإستديوهات والشهرة الكاسحة، يجد نفسه مرميا في أتون خلاء لا يرحم... وبما أنه راوغهم أكثر من مرة حتى وصل الإشعار بالانقطاع عن العمل إلى المنزل ، فهاموا بحثا عنه ليعيدوه إلى جدران حجرته هناك، فقد أصبحوا يطلبون منه عند مها تفته إسماعهم صوت الصغار عبر نشيد كورالي محكم، بصوت جهوري : \'\'صباح الخير\'\'، عندها فقط تنشرح أسارير محيا أمه عبر كل ذبذبات النأي والبعد لأنها وحدها كانت تعرف لظى العمل.) صباح الخير ص 41
هذا النص السردي يفضح إخلال الأسرة / الأصل عندما تكره أبناءها على السير ضدا على اهتماماتهم وميولا تهم وعواطفهم الأمر الذي يؤدي بالأبناء/ الفرع ، إلى عدم مجاراة ضغط الوظيفة غير المرغوبة من جهة وإلى الغياب المتكرر المفضي إلى الانقطاع أو العزل ، والقصة دعوة السارد إلى الاستماع والإنصات إلى رغبات الأولاد بدل فرض الرأي الواحد عليهم وإلى المشاورة بدل الاستبداد، ولهذا يجب أن يسبق الإقدام على الاختيار حوار طويل للتفاهم حتى لا يفاجأ الطرفان معا بالنتائج ...
ثم هو إشارة إلى رد اعتبار لمهنة التدريس والمدرسة والرفع من مرد وديتها بما يساهم في التنمية المجتمعية المنشودة وهيئتها وتحبيب هذه الرسالة السامية لرجالاتها ونسائها بتوفير جميع الوسائل الناجعة من سكن ونقل وتحسين الوضعية المزرية للتمكن من مواكبة الإصلاح والبرامج الجديدة التي جاء بها الميثاق الوطني للتربية والتكوين ...
والقصة يبرز فيها التعامل النفسي مع المكان لدى الشخصية المغتربة داخل الوطن لذا تراها تهرع إلى معالجة نفسها بإشباع حنينها الداخلي إلى مدينتها الأصلية متوثبة متحركة متجاوزة نمطها الذي يمنحها امتدادا وعمقا نتيجة ما كانت تلمسه في ذلك المكان من ظلمة وعتمة وجرح وضياع وسجن وغربة ... وهذا هيكل عام لحياة تتمحور حول مفصل أساسي وهو الصراع بكل أبعاده وتحدياته
ونتائجه، بين الأصل والفرع الذي يؤدي إلى التنافر في الأرواح والرؤى المؤدي إلى فراغ وجفاء ووحشة وظلمة...
ثم ينتقل السارد بالقارئ عبر سفينة الحياة يبحر به في متاهاتها مذكرا إياه بما قاساه كل من ينتمي إلى جنوبها الذي يمتاز بالفقر والجهل والمعاناة ضاربا له أمثلة بذلك الإنسان الذي عانى العبودية والرق بعد اختطافه من موطنه وبيعه في سوق النخاسة حيث صار مسخرا بالقهر في الأعمال الشاقة وقد سجل التاريخ أن الحضارات السابقة بنت صروحها وحققت منجزاتها بسواعد ودماء هؤلاء ولذلك اعتبرها حضارات مقومة بالرق...
(هو المرحل يفجر بين يديك ينبوعية الاسم في الوطن الجنوبي الجريح الذي مرق منه الجد محمولا أو مجرورا في سجل نخاسة لم يعترف بها مطلقا ، الأمور متداخلة جدا ، فلا شجرة أنساب يستند إليها ..شجرة أنسابه تتدلى بين فخذه، هكذا كان ينبس مفسحا للضحكات المجلجلة كي تملأ المكان وتقلب الجد هزلا.).السوداني ص45.
فالقصة تختزل البعد المأسوي لهؤلاء المضطهدين من أولئك القائمين على أمورهم من خلال نظامهم الاجتماعي المبني على الاستبداد والإقصاء والتهميش الساعي إلى تعذيبهم وحرمانهم من تكوين أسر وعائلات تكون لهم بمثابة شجرة استمرار لوجودهم بدل هذا المحو والانقراض الشيء الذي يدفعهم إلى القلق والحزن والأسى والخوف من انعدام هذا التواصل الذي يتوقون إليه متمنين ألا يظل مصادرا من طرف الطغاة...
(تقلى في فراشه على نار خامدة ، حاذى عبرها كل المسالك المتشابكة مما دفع به إلى أن يعفط على دواخله ويحمل الفأس متجها رأسا لقلع ظلال الخرافة من جذورها) الشجرة ص
59
هذه المحادثة النفسية الافتتاحية تعكس واقع الذات بمختلف مكوناتها الداخلية التي تبحث عن البوح بالمكنون، ولم يجد السارد/ البطل أمامه سوى هذا الحوار مع نفسه ، ليتمكن من إقناعها أنه على صواب، والمتأمل في المصير الذي يبحث عنه المبعوث الجديد، لايرقى إليه الشك في أنه نفس المصير الموازى الداخلي الذي يبحث عنه كل من هو على شاكلته، إذ أنه صراع بلا طائل من أجل البحث عن كرامة ضائعة احتوتها ظلال الخرافة والتي وجب بترها لأن مصدرها الخيال والتوهم وزرع مكانها شجرة المعرفة والخصوبة الطبيعية لتسلق درجات القمة والخيرات والجمال الأنثوي نواة التواصل والاستمرار البشري...
وهكذا تجد السارد من خلال هذه القصة يحتفظ في جميع هذه الحالات على نواة دلالية دائمة تبيح بعض السياقات وتغذي مفاهيمها التي تحيل على معاني متعددة.. كما يشير فيها إلى رمزية النار المتأججة في الصدر...
ثم ينقل السارد المتلقي إلى فضاء الحلم ، المتنفس لعذابات النفس الحالمة وهي تبحث عن أرض خصبة لحرثها سعيا لإضفاء جماليات عشق الروح وهي تعانق متمنياتها المفتقدة ، في لحظة استثنائية من عمر اللقاءات العاطفية حيث مشاعر الأنثى في عنفوان تألقها وصدقها في حب حاضر في الذهن....
) الحلم نداء السماء، رسالتها المشفرة التي ترمي بها إلى القلوب التي تِؤمن بأسطورتها الشخصية .
حكى لزوجته ما رأى ، مابين إغماضة جفن وبريق بسمة منتصرة ، أسرت له أن عادتها الشهرية تأخرت ).
والمجموعة القصصية \'\'العناصر\'\' هي دراسة اجتماعية عميقة مستوحاة من الواقع المغربي تترجم مأساة الإنسان في علاقته بما يحيط به ، مشكلا من أحداثها بناء فنيا محكما ذا ارتباط وثيق بكل دلالاته وبكل ما يحمله من أحداث ومواقف مجسدة ببراعة وصدق شخصياتها الكبير.
والعلاقة الإسنادية بين هذه العناصر الأربعة جعلت من المجموعة تجربة فريدة من نوعها وازنت بين تكوين السارد وفكره وما أراد طرحه من رؤى تصويرية انعكس فيها الواقع المستهدف معالجته بوجود حقيقة يمتلكها هذا الطرف أو ذاك وينظم على أساسها علاقته بالآخرين...
والمتلقي يجد متعة القراءة والمتح من عناصرها لما تحتويه المجموعة من قصص نسجت خيوطها بأسلوب جميل،يعتمد البساطة والتكثيف والإيحاء والترميز والوصف ناهيك عن تميزها بالصور الجمالية المستوحاة من الواقع المعيش....

يقدمها الناقد والقاص محمد محقق - كاتب مغربي
إن المجموعة القصصية \'\' العناصر\'\'للكاتب المغربي أحمد شكرقد حملت من خلال مضامينها ومحتوياتها الحكائية مجابهة عنيفة مع واقع لا يقبل المهادنة أو الاختزال، فالأحزان تعتري يوميات الناس الفارغة من أي شيء له معنى بل التي تحتشد بتفاصيل اليومي الصعب ومؤشرات الموت البطيء.. والمشاهد التصويرية لا تعبر بالعين دون أن يثير فيها شغف التحديق في شريطها السلبي حيث الصور تختزن احتدام الدلالات وأبعادها، صور تفرض نفسها لأنها تتلمس الحسي والملموس في بنائها..كما يظهر قدرا من الانطوائية في محاورة الذات المهددة بمشاعر اليأس والموت وجراح الحياة التي يكسرها العويل والبكاء..
والمجموعة تقوم على التأمل والاستغراق في أفكار كبيرة محورها الذات والوجود ورصد الواقع الذي يمور بالسخرية و اللا جدوى ...
(سيرة حزن مستديم ينفضح كاشفا عورتنا جميعا ويتقيأ كل يوم حزنا وموتا مكرور...) جثامين ص11

يعكس العنوان انكسار الأشخاص الذين يقذفهم البحر كسلع انتهت صلاحيتها في لحظة من لحظات ضعفهم في معترك أمواجه الهائجة المقترنة بالمخاطر والغدر جراء العواصف العاتية التي تمثل مصادر القلق والخوف لكافة الناس رغم احتياجاتهم لخيرات البحر الوفيرة الذي صوره السارد هنا منتصرا على هؤلاء المتعطشين لعبوره للضفة الأخرى عبر قوارب متهرئة ونتيجة ضعفهم في مواجهة جبروته وقسوته فكانت النتيجة سلب أرواحهم البريئة وإطفاء شمعة أملهم في الوصول إلى هناك حيث العيش الرغيد وآثار النعمة المنتظرة لكن هيهات هيهات فالرياح جرت بما لا تشتهيه سفنهم القديمة المتهالكة..
والسارد في قصته هاته يسعى إلى إبراز العوامل التي كانت سببا في ما يلفظه البحر من جثامين وهي الهجرة السرية عبر قوارب الموت فرارا من البطالة المتفشية بامتياز في واقع عرفت أسعاره ارتفاعا مهولا أدت بكثير منهم إلى العيش في متاهات فقر مدقع لم تترك لهم خيارا سوى المغادرة إلى عالم الأحلام لتفادي هذه المعاناة اللانهائية إضافة إلى رؤيتهم لمن من عليه الله وأكرمه في غربته عائدا إلى أرض موطنه ومظاهر الغنى بادية عليه دون نسيان عامل القرب الجغرافي لأوروبا الذي يحمسهم أكثر لهذه المغامرة القاتلة التي تبيد أكثرهم دون رحمة أو شفقة ...
ثم يسترسل السارد في انسياب المتعة مع نبض الحياة في جداول الاحتضان المجنون حيث المتح من سيمفونية موسيقى يتخللها الرقص والطرب الذي ينسي وجه الصحراء المأهولة جراء هذه الألفة والتلاحم والانسجام التي تخلقه هذه الصحبة الجماعية معبرة عن ما يجيش في الصدور التواقة إلى إحياء هذا الفن الذي يجعل الفرد يذوب في الجماعة محققا إشعاع روح الإنس بينهم، والسارد هنا يحلق بالقارئ ليذكره أن اللغة هي الوسيط الحامل للتراث تمثلا واستيعابا و إغناء وإبداعا وأنها مسكن الذات حسب تعبير هايدجر،((رمز الماء يمتزج وجدانيا برموز متعارضة فيما بينها كالولادة والموت ، إنه جوهر ملئ بتذكارات العرافات وأحلام اليقضة) والسارد يتأمل البعد الوجودي للمرأة والماء والغناء في إشارة منه على إبراز هذه الثلاثية أنها إيقاع حركية العالم والمشاركة في إشعاعه حيث الاعتماد على التلقائية في الأحاسيس ومنح الحياة و وجه التشابه بين هذه الثلاثية أن المرأة طاقة متفجرة من الأنوثة والمشاعر التي تدفع الإنسان/ الرجل إلى أن يحيا من جديد وكذا الماء الذي هو أصل الوجود والغناء لا يمل من تحرير اللغة من محدوديتها ومن دلالتها فهو جوهر لا يمكن أن يستغنى عنه مثله مثل المرأة والماء إذ أنه حاجة من حاجات الإنسانية الأساسية .. وإذا اعتبر السارد الماء/ الخمر فإنه عندما يقع الرجل بالخمر فإنه يكون عبدا للزجاجة التي تذهب عقله وفطنته وكذا عشقه للمرأة يجعله لا يقاوم عطرها وسيطرتها مهما تظاهر بالكبرياء والشموخ خاصة عندما يصاحب هذا الجو غناء يتعانق فيه جمال الكلام وصدق المعاني...
(في حضرة المرأة والماء تنخسف اللغة ، فكيف إن كان هناك غناء ، غناء حقيقي ينبع من ذوات متجذرة في الأرض كأنها امتداد للتلال الحاضنة هذا الخلاء) ماء ص14
ثم ينتقل السارد من رمزية الماء إلى رمزية التراب حيث يعبر السارد عن مدى علاقة الروح بالجسد الترابي الحميمة عبر صور معبرة ومسنونة بجحافل الألم والقسوة والحزن وهو يتذكر حضن أمه الحنون وهي لحظة من اللحظات الصعبة والمشحونة بكل ألم الدنيا التي لا تتحمل سوى لملمة جراح ووقف نزيف مشاعر حزينة ((تنقصه شجاعة الوقوف إلى القبر والتحديق في الشاهدة لتهجي اسم الأم التي عجنت أيامه بميسمها البسيط العميق)العودة إلى هناك ص63
والملاحظ من القصة أن السارد تتأرجح حياته بين البحث عن الأمن والطمأنينة و نسيان وتجنب الألم ، حين يشير إلى مسألة حتمية هي مشكلة الموت المتواجد في أعماق النفوس والتي ترفضه بكل كيانها محاولة تجاوزه لأنه يشكل لها ألما أكبر في هذا الوجود ، كما أن الإحساس بفقدان عزيز يجعلها تشعر بالخسارة التي أصابتها وما سيحل بها مستقبلا مدركة أن الموت هو انتزاع حقيقي لهذه الحياة المعيشة وأن أمانها ومشاعرها سترتطم على صخرته يوما ما .. ثم يعرج السارد بالمتلقي رافعه عبر رمزية الهواء الذي امتد بدوره على مساحة واسعة يبحث فيها عن خلاصه من الالتصاق بالأرض و السمو فوقها لتجاوز وتخطي جاذبيتها متخيلا أنه صار له أجنحة عصفور امتلك بها قوة قضى بها على بِؤسه وشقائه وعقدته وهو يحلق في السماء عبر لغة يومية متداولة وبسيطة ليزرع في الآخر بذور التمرد على الأرض كعنصر وضيع وأن السماء عنصر جليل وسامي ...((تمدد فوقه (السرير المطاطي) ونام...نام كما لم ينم قبلا رائيا في درج رأسه أنه استحال إلى عصفور ملون جميل، حلق بجناحيه الصغيرين الرائعين في السماء بعيدا عن الأرض)) سرير على الهواء ص42
هنا يلاحظ القارئ أن السارد اعتمد على عنصر الخيال الذي هو سيد عناصر الأدب ليؤجج الواقعة الموصوفة ويربطها بثنايا الحدث مكسوة بسحنة جمالية ليأسره ويدفعه للتعاطف معه..
ثم ينقله من خلال هذه الرؤية التصويرية إلى واقع التعليم القروي في علاقته بهيأة التدريس ليلامس عمق المعاناة التي يكابدها هؤلاء وإغفال المسئولين البحث عن الوسائل الكفيلة التي تضمن لهم عدم انتشار ظاهرة الغياب المبرر و غير المبرر التي تحيل البعض إلى عدم أداء واجبه مما يعرض جيلا بكامله/ المتعلم، لعقاب الجهل والأمية لا يتحمل فيه أدنى مسؤولية كونه ازداد بهذا المكان المقفر... والمغزى الذي ينبغي استخلاصه من القصة هو الوقوف عند المسئولية المشتركة بين جميع الأطراف( الدولة، الأسرة، هيئة التعليم..) من دون استثناء...
(كانوا متأكدين من نزق ولدهم ومن إخلالا ته بواجبه في مهنته التي دفعوه إليها دفعا، هو الذي كان مفتونا بصوته وبأضواء الإستديوهات والشهرة الكاسحة، يجد نفسه مرميا في أتون خلاء لا يرحم... وبما أنه راوغهم أكثر من مرة حتى وصل الإشعار بالانقطاع عن العمل إلى المنزل ، فهاموا بحثا عنه ليعيدوه إلى جدران حجرته هناك، فقد أصبحوا يطلبون منه عند مها تفته إسماعهم صوت الصغار عبر نشيد كورالي محكم، بصوت جهوري : \'\'صباح الخير\'\'، عندها فقط تنشرح أسارير محيا أمه عبر كل ذبذبات النأي والبعد لأنها وحدها كانت تعرف لظى العمل.) صباح الخير ص 41
هذا النص السردي يفضح إخلال الأسرة / الأصل عندما تكره أبناءها على السير ضدا على اهتماماتهم وميولا تهم وعواطفهم الأمر الذي يؤدي بالأبناء/ الفرع ، إلى عدم مجاراة ضغط الوظيفة غير المرغوبة من جهة وإلى الغياب المتكرر المفضي إلى الانقطاع أو العزل ، والقصة دعوة السارد إلى الاستماع والإنصات إلى رغبات الأولاد بدل فرض الرأي الواحد عليهم وإلى المشاورة بدل الاستبداد، ولهذا يجب أن يسبق الإقدام على الاختيار حوار طويل للتفاهم حتى لا يفاجأ الطرفان معا بالنتائج ...
ثم هو إشارة إلى رد اعتبار لمهنة التدريس والمدرسة والرفع من مرد وديتها بما يساهم في التنمية المجتمعية المنشودة وهيئتها وتحبيب هذه الرسالة السامية لرجالاتها ونسائها بتوفير جميع الوسائل الناجعة من سكن ونقل وتحسين الوضعية المزرية للتمكن من مواكبة الإصلاح والبرامج الجديدة التي جاء بها الميثاق الوطني للتربية والتكوين ...
والقصة يبرز فيها التعامل النفسي مع المكان لدى الشخصية المغتربة داخل الوطن لذا تراها تهرع إلى معالجة نفسها بإشباع حنينها الداخلي إلى مدينتها الأصلية متوثبة متحركة متجاوزة نمطها الذي يمنحها امتدادا وعمقا نتيجة ما كانت تلمسه في ذلك المكان من ظلمة وعتمة وجرح وضياع وسجن وغربة ... وهذا هيكل عام لحياة تتمحور حول مفصل أساسي وهو الصراع بكل أبعاده وتحدياته
ونتائجه، بين الأصل والفرع الذي يؤدي إلى التنافر في الأرواح والرؤى المؤدي إلى فراغ وجفاء ووحشة وظلمة...
ثم ينتقل السارد بالقارئ عبر سفينة الحياة يبحر به في متاهاتها مذكرا إياه بما قاساه كل من ينتمي إلى جنوبها الذي يمتاز بالفقر والجهل والمعاناة ضاربا له أمثلة بذلك الإنسان الذي عانى العبودية والرق بعد اختطافه من موطنه وبيعه في سوق النخاسة حيث صار مسخرا بالقهر في الأعمال الشاقة وقد سجل التاريخ أن الحضارات السابقة بنت صروحها وحققت منجزاتها بسواعد ودماء هؤلاء ولذلك اعتبرها حضارات مقومة بالرق...
(هو المرحل يفجر بين يديك ينبوعية الاسم في الوطن الجنوبي الجريح الذي مرق منه الجد محمولا أو مجرورا في سجل نخاسة لم يعترف بها مطلقا ، الأمور متداخلة جدا ، فلا شجرة أنساب يستند إليها ..شجرة أنسابه تتدلى بين فخذه، هكذا كان ينبس مفسحا للضحكات المجلجلة كي تملأ المكان وتقلب الجد هزلا.).السوداني ص45.
فالقصة تختزل البعد المأسوي لهؤلاء المضطهدين من أولئك القائمين على أمورهم من خلال نظامهم الاجتماعي المبني على الاستبداد والإقصاء والتهميش الساعي إلى تعذيبهم وحرمانهم من تكوين أسر وعائلات تكون لهم بمثابة شجرة استمرار لوجودهم بدل هذا المحو والانقراض الشيء الذي يدفعهم إلى القلق والحزن والأسى والخوف من انعدام هذا التواصل الذي يتوقون إليه متمنين ألا يظل مصادرا من طرف الطغاة...
(تقلى في فراشه على نار خامدة ، حاذى عبرها كل المسالك المتشابكة مما دفع به إلى أن يعفط على دواخله ويحمل الفأس متجها رأسا لقلع ظلال الخرافة من جذورها) الشجرة ص
59
هذه المحادثة النفسية الافتتاحية تعكس واقع الذات بمختلف مكوناتها الداخلية التي تبحث عن البوح بالمكنون، ولم يجد السارد/ البطل أمامه سوى هذا الحوار مع نفسه ، ليتمكن من إقناعها أنه على صواب، والمتأمل في المصير الذي يبحث عنه المبعوث الجديد، لايرقى إليه الشك في أنه نفس المصير الموازى الداخلي الذي يبحث عنه كل من هو على شاكلته، إذ أنه صراع بلا طائل من أجل البحث عن كرامة ضائعة احتوتها ظلال الخرافة والتي وجب بترها لأن مصدرها الخيال والتوهم وزرع مكانها شجرة المعرفة والخصوبة الطبيعية لتسلق درجات القمة والخيرات والجمال الأنثوي نواة التواصل والاستمرار البشري...
وهكذا تجد السارد من خلال هذه القصة يحتفظ في جميع هذه الحالات على نواة دلالية دائمة تبيح بعض السياقات وتغذي مفاهيمها التي تحيل على معاني متعددة.. كما يشير فيها إلى رمزية النار المتأججة في الصدر...
ثم ينقل السارد المتلقي إلى فضاء الحلم ، المتنفس لعذابات النفس الحالمة وهي تبحث عن أرض خصبة لحرثها سعيا لإضفاء جماليات عشق الروح وهي تعانق متمنياتها المفتقدة ، في لحظة استثنائية من عمر اللقاءات العاطفية حيث مشاعر الأنثى في عنفوان تألقها وصدقها في حب حاضر في الذهن....
) الحلم نداء السماء، رسالتها المشفرة التي ترمي بها إلى القلوب التي تِؤمن بأسطورتها الشخصية .
حكى لزوجته ما رأى ، مابين إغماضة جفن وبريق بسمة منتصرة ، أسرت له أن عادتها الشهرية تأخرت ).
والمجموعة القصصية \'\'العناصر\'\' هي دراسة اجتماعية عميقة مستوحاة من الواقع المغربي تترجم مأساة الإنسان في علاقته بما يحيط به ، مشكلا من أحداثها بناء فنيا محكما ذا ارتباط وثيق بكل دلالاته وبكل ما يحمله من أحداث ومواقف مجسدة ببراعة وصدق شخصياتها الكبير.
والعلاقة الإسنادية بين هذه العناصر الأربعة جعلت من المجموعة تجربة فريدة من نوعها وازنت بين تكوين السارد وفكره وما أراد طرحه من رؤى تصويرية انعكس فيها الواقع المستهدف معالجته بوجود حقيقة يمتلكها هذا الطرف أو ذاك وينظم على أساسها علاقته بالآخرين...
والمتلقي يجد متعة القراءة والمتح من عناصرها لما تحتويه المجموعة من قصص نسجت خيوطها بأسلوب جميل،يعتمد البساطة والتكثيف والإيحاء والترميز والوصف ناهيك عن تميزها بالصور الجمالية المستوحاة من الواقع المعيش....
