• ×
السبت 13 يونيو 2026 | 03-01-2013

القصة القصيرة: طـفـل النــجوم للكاتب كريمة الإبراهيمي - الجزائر

القصة القصيرة: طـفـل النــجوم للكاتب كريمة الإبراهيمي - الجزائر
0
0
437
 القصة القصيرة: طـفـل النــجوم
للكاتب كريمة الإبراهيمي - الجزائر


كأنكَ مازلت هنا..
وجهك الضاحك وأنت تجلس مساء لتراجع معي دروسي مازال يملأ ذاكرتي..
مازلتُ أضحك وأنت تحملني في الفضاء وتصرخ:هيا اقطف النجوم..وكنت أمد يدي وأقول لك:قطفتها بابا..أنظر..
ككل الأشياء الجميلة انتهى زمن اقتطاف النجوم..تشظى الوطن الأخضر واستحالت الأحلام كوابيسا..
اللحظة أجلس بمدرج الجامعة..انه يومي الأول بقسم التاريخ..أخيرا تحقق الحلم وها هي النجوم في يدي..
عشقت التاريخ لأجلك منذ أن بدأت تزين رأسي الصغير ببطولات كبيرة..علمتني أن الظروف الصعبة هي التي تصنع العظماء..
كأنكَ مازلت هنا..
تعود كل مساء محملا بقصة بطولة..وقبضة نجوم أصطادها وأنت تزرعني في الفضاء..
كنتُ في الثامنة حين كنت أنتظرك فتأتي متأخرا و توقظني من على كتبي..كانت أمي تسألكَ: لم تأخرت؟فتجيبها:عملية أخرى..وتلهيني عن النجوم بأنك متعب..وتجلس بعيدا لتروي لأمي الذي حدث..
كنتُ أدري أنك لم تكن متعبا،
كنتَ حزينا..
شيء ما غاب من عينيك..شيء جميل انطفأ..
كان يومها الوطن شاحب الوجه كطفل يتيم تتقاذفه الأيادي..
كانت الدماء تغسل روابيه والأطفال يذبحون في عز الشمس..
وما كنت أدري أن الوطن الجميل سيعيدك إلينا في رداء أبيض..
كنتُ أتعرف إلى الأشياء الأولى يوم رأيتك لآخر مرة يغطيك علم الوطن الجميل وأنت ممدد على الأرض..
اقتربت منك في غفلة الآخرين وسألتك:لم تغمض عينيك؟..كان وجهك نصف أزرق..قلتُ لك:بابا..متى تروي لي قصة البطل -بن بولعيد-؟ طلبت المعلمة منا ذلك..
مددت يدي لألمس وجهك وإذا بيد قوية تجذبني وتبعدني خارجا..كانت يد عمي..
ركضت نحو الغرفة الأخرى بحثا عن أمي..كانت ممدة في السرير مثلك، وصوت بكاء خافت يخرج من فمها..
كنتُ ضائعا في ذلك الزحام وأنا أبحث عنك لتروي لي قصة-بن بولعيد-..
ولم أفهم أنك مت إلا بعد أن انفض الناس..قالت أمي:لقد صرنا وحدنا..لن تراه بعد اليوم..حين ألحيت في السؤال عنك..
تغيرت الأشياء بعدها كثيرا..لم أعد أقتطف النجوم ولم أعد أنتظر عودتك..لكنني كنت أبكي كلما غادرت المدرسة ولا أجدك في انتظاري..
فهمت يومها معنى أن تكون بلا أب، وفهمت معنى الحزن يوم جاء عمي يطالب أمي بأن تكون زوجة له ليحافظ على ابن أخيه..
رأيتها تتوسله برحمتك لأنني آخر ما تبقى لها منكَ..رأيت دموعها تجرف بقية الفرح الباهت من بيتنا الصغير..
أصر عمي على طلبه أو أن يحرمها مني وأصرت أمي على الرفض..وحين عجز قرر أن يتركني لها على أن يحرمنا من-معاشك-ووافقت أمي دون تردد..
فجأة وجدتني رجل البيت..وكأني كبرت خارج الأزمنة..لم يكن مع أمي شهادة لتجد عملا..وضاقت بنا الحياة..قلتُ لأمي: سأعمل..وما الذي ستعمله وأنت في هذه السن؟ اهتم بدراستك.قالت..قلتُ:سأبيع-المحاجب-.وقالت أمي بدهشة:المحاجب..قلتُ: نعم..سأطلب ذلك من عمي-علي- الذي في آخر الشارع..سيقبل فهو يحبني وكان أبي يصطحبني إليه لنأكل- المحاجب- وهو يقول لي دائما إذا احتجتم شيئا أخبرني..
صمتت أمي والدموع تغسل وجهها..تركتها وركضت نحو محل عمي-علي-وعرضت عليه الأمر..قال بحزن: والدك كان شرطيا ممتازا و كان طيبا..الطيبون فقط هم الذين يدفعون الثمن..وأضاف:موافق طبعا..
تحولت إلى بائع-محاجب-..كان عمي علي- يحضر لأمي اللوازم فتصنع تلك المحاجب- اللذيذة وآخذها أنا لبيعها..بدأت بالمدرسة..كنت أبيعها وقت فراغي..لكن سخرية زملائي واسمي الجديد-بائع المحاجب- جعلتني أغير المكان..فكنت ألف بالشوارع..أجلس تحت شجرة وأمام المدارس التي لا يعرفني فيها أحد أحيانا..وكانت كتبي لا تفارقني..كنت أستيقظ باكرا وأراجع دروسي وأنجز فروضي حينما تجلس أمي لإعداد المحاجب وبعض الحلويات التي أبيعها صباحا- قبل أن يحل موعد- المحاجب- بعد خروجي من المدرسة في العاشرة صباحا..
كان عمي-علي- يعطيني كل مساء من عشرة إلى عشرين دينارا أحيانا خارج الأجرة التي اتفق عليها مع أمي..
تمكنت بجمعها من اقتناء سلسلة الكتب-الأبطال-..كنت أطالعها وقات بيعي للمحاجب أو مساء حين يقطع عمي الكهرباء فقد نسكن بيتين متجاورين.كنت أحمل كتبي وأذهب إلى آخر الشارع لأجلس أمام عمود الكهرباء لأن العمود الذي أمام بيتنا كان نادرا ما يصلح وإذا صلح فلا يصمد إلا ليوم أو يومين أمام حجارة الأطفال..
ويوم اقتنيت قصة-بن بولعيد-بكيت وأنا أقرأها لأنها أعادتني إلى جسدك الممد والمغطى بالعلم..
ملأتَ ذاكرتي بقصص الأبطال وكنت أقول لزملائي:أبي أيضا كان بطلا..لقد مات وهو يؤدي واجبه..كبرتُ ولم يعد بيع-المحاجب- يحرجني فقد اكتسبت محبة الزملاء واحترامهم وهم يلجأون إلي لأشرح لهم فروضهم وأروي لهم قصص أولئك الأبطال الذين أسكنتَهم ذاكرتي..
مرت السنوات ووقفت أخيرا أمام قائمة الناجحين..كان اسمي يتصدر القائمة..أغمضت عيني ومددت يدي في الفضاء وصوتك يأتيني من بعيد:هيا اقطف النجوم وأردد لك:قطفتها بابا أنظر..
ظل اقتطاف النجوم من أجمل ممارساتي كلما تفوقت في شيء..وظل وجهكَ الضاحك يلوح لي أينما اتجهت..
طفل النجوم لم يتعب يا أبي..وسلة-المحاجب- أشكرها فالعظماء فقط هم الذين يعرفون معنى الأشياء البسيطة التي جعلتهم عظماء..