قراءة : هاجس التحول في رواية -ريح الكادي- لعبد العزيز مشري
08-07-2010 09:07 مساءً
0
0
453
السلطنة : هاجس التحول في رواية- ريح الكادي- لعبد العزيز مشري
للكاتب : سعيد بوعيطة -المغرب
ان التحول ضرورة تاريخية و حضارية في الوقت نفسه. ترتبط بالانسان في بعده التاريخي و الوجودي. لقد عملت مجموعة من الاعمال الابداعية على رصد هذا التحول بمختلف اشكاله و مستوياته. نذكر من بينها على سبيل المثال لا الحصر. (خماسية مدن الملح لعبد الرحمان منيف اشواق درعية- لمحمد العمري. ريح الكادي لعبد العزيز مشري. الخ...
عبد العزيز مشري واحد من الروائيين السعوديين الذين نحثوا اسماءهم في المشهد الروائي السعودي. يعمل على رصد اليومي بعاداته و تقاليده . متتبعا في الوقت نفسه تحولاته المختلفة. الرواية التي بين يدينا ريح الكادي- ترصد برؤيا عصرية واقع الانسان القروي الجنوبي في الجزيرة العربية( جبال السراة). بحيث تكشف عن ذلك العالم الخاص الذي قامت عليه نسائج بنيته عبر سنين تمتد الى تاريخ ما قبل الاسلام.اذ بقيت تتراكم ضمن المخزون التاريخي الطويل. فبنت بذلك تقاليد واعراف للارض و الانسان.
ان هذا المسلك الابداعي ( الروائي والقصصي). هو ميزة الروائي عبد العزيز مشري في اغلب رواياته- الوسمية- ( 1985). الغيوم ومنابت الشجر- (1988)- الحصون-( 1992). فرواية- ريح الكادي- هي امتداد لهذه الاعمال الروائية.
الارتباط بالارض والاستقرارالعلائقي.
يفتتح لنا السارد رواية ريح الكادي- بتقديم عام لعالم قروي. افتتاحية تبدا وسط الاشياء و القطع في لحظة من حيوات الشخصيات في نقطة معينة. فيبدا المتلقي/ القاريء من هذه اللحظة كذلك.فهو لا يعلم شيئا عما حدث او عما سيحدث.فالافتتاحية كما تشير الناقدة سيزا قاسم تعمل على ادخال القاريء في عالم مجهول. عالم الرواية التخييلي بكل ابعاده.باعطائه الخلفية العامة لهذا العالم والخلفية الخاصة لكل شخصية . ليستطيع ربط الخيوط و الاحداث التي
ستنتج فيما بعد ( 1 ). يفتتح السارد رواية- ريح الكادي- بتقديم عام لفضاء القرية بناسها و مواشيها و دوابها وضجيجها . يقول السارد في الصفحة - 6- ( وادن ديك من فوق مدماك الحجر لاعلى بيت على حافة القرية. وتبعه اذان ديك واخر في الساحة الاهلة بالناس.و بالمواشي و بضجيج العائدين الى بيوتهم من المزارع قبل عودة شمس النهار الى مغربها.).وبعد التقديم العام يدخل السارد في التفاصيل الدقيقة لاهل القرية. الشيخ عطية في علاقته مع ابناءه واحفاده الاربعة. والجدة التي لا تفرق بقرتها.( دخل الشايب عطية ساحة الدار فغمر قلبه انس خافت . وغمرت قامته تلك الساحة المستطيلة الباهثة من الضوء الممتدة امام الباب..فصاح على قدر مسموع.
- يا عيال الخير.. عشيتم الحلال..) ص.8.
على الرغم من اختلاف مجموعة من الاجيال جيل الشايب عطية و الجدة (الاجداد) الابن حامد وزوجته مليحة( الاباء). الابناء ( الاحفاد). فتجمعهم علاقة قوية وترابط متين.لارتباطهم القوي بالقرية/ الارض. يحضر هذا الارتباط على الرغم كذلك من اختلاف الامزجة و الطباع.
- الشايب عطية يمارس سلطته المعنوية ويتحكم في امور العائلة ولا يخرج عن طاعته احد.
- الجدة. تملك نصيبا من هذه السلطة الابوية ( الشايب عطية). لكنها تفق على الحافة بين سلطة الشايب عطية و متطلبات الاولاد و الاحفاد.
تلاحم هذه الاجيال ساهم في الستقرار استقرارها العلائقي. ان عائلة الشايب عطية هي نموذج لذلك العالم القروي المتماسك . ينهي الخلافات بين ناسه . يقول السارد( وعلى الرغم من الجبهتين الكلاميتين اللتين تقارعتا بالشتيمة. فان الحل المعروف في مثل هذه الامور . لا يستحق كل تلك الاذان الصاغية و العيون و الالسن التي تهذر في هذه المناسبات ولكن ما وقع وقع.) ص.34. هذا الاستقرار والارتباط العلائقي عند اهل القرية.
جعل البنية السردية للرواية ( خاصة في بدايتها) تتميز بالثبات والسكون تصل الى حد الرتابة في بعض الوحدات السردية. فالسرد لا يعرف احداثا تدفع به الى الامام لكونه يعكس فضاء القرية الثابت والعلائق المستقرة لاهلها. لعل هذا ما جعل السارد يعتمد في اغلب الاحيان على الوصف و الصور السردية عن شخصيات الرواية( الشايب عطية- ص. 16). ( الجدة-ص.9).
الانسلاخ عن الارض والتفكك العلائقي.
لكن على الرغم من هذا الاستقرار و الثبات الذي يعرفه فضاء القرية والعلاقات بين الشخصيات فان نوعا من التصدع و الانشقاق بدا يلوح في الافق لاهل القري.
يشي بالتغيير و التحول. تحول بدا اولا على مستوى الوعي. تقول شخصية الشايب عطية في الصفحة 18( - نعم .. تموتون من اجل حبة تمر . اين النفس العالية .
اخاف بكرة النهار.. يبيع احدكم ارضه ليشتري التمر و الحلوى. يا عيباه.). فبدا التغيير يدب في اوصال هذا المجتمع التقليدي/القرية. فقد حل راديو الترانسستور .الصغير محل راديو البطارية الثقيلة القديم) ص.17. ويبدا هذا التحول بشكل بارز م خلال حوار شخصية الشايب عطية و شخصية ابنه حامد. يقول السارد في الصفحة- 73-( - يا ابي طول الله عمرك..الزمان يتغير. والدنيا لا تبقى على حال . يا ابي يومكم ليس كيومنا. (...).- اسمع يا ابني .. ارى الزمان يسوء بابنائنا و نحن احياء...).
فالمدرسةالتي عرفتها القرية قد صرفت الابناء عن العمل في الارض و الاهتمام بها(هكذا ترى شخصية الشايب عطية). ( قلت لك جاءت المدارس و صرفت اولادنا عن عمل الارض. وصار الصغير يهزا بالكبير..) ص.83. ان الانسلاخ عن الارض وعدم الاهتمام بها. سيعكس كذلك نوعا من الانحلال على المستوى العلائقي لاهل القرية.واصبحت الفتاة تذهب الى المدرسة( عكس ما ساد في العهد القديم). يقول السارد ص.77( واستيقظت الطفلة بالنبا الذي غزا اذنيها في البيت منذ ايام ورات في نفسها مساواة باخوانها الصبيان الذين يكتبون بالاقلام الملونة في الدفاتر. و يحملون الحقائب الى المدرسة...).
التحول الحياتي/الحياة الجديدة.
لقد امتد هذا التحول الى جل مجالات الحياة. فبعد ان كان الشايب عطية وعائلته
( نموذج لاهل القرية) لا ياكلون سوى عصيدة الذرة او الحنطة وكلاهما ( كما يقول السارد) لا تلذ الا مع مرقة اللحم والبصل .فقد( جاءت الايام بافانين الطعام ورحل الزمان بما حمل. ولم يعد للاحفاد الفة طيبة بالطعام القديم الا نادرا..) ص.84. و مواقيت الصلاة التي ارتبطت لدى اهل القرية بسماع الادان. ارتبطت الان بالساعة المعلقة على الحائط.( سالت ان كان وقت المغرب قد حان . وردت مليحة- وهي تقرا على الحائط الساعة الدائرية السوداء المعلقة ...) ص83.
لقد تم استبدال الغلة و الحمار بالسيارة .فحصل تغيير في حياة الناس و سلوكم وحتى اشكالهم .لكن جوهريا نحو الاسوا.ففي الساحة كما يقول السارد ( سيارة حمراء بصندوق عريض محشو بالحطب .وكان على ما يبدو ان الشايب اشترى حملة الحطب تلك من صاحب السيارة اليوم في سوق الخميس...) ص.93. كما اشترى حامد ( ابن الشايب عطية) سيارة. ( جرت الايام جري السحاب واشترى حامد سيارة. وكفى الله الشايب الشجار اذ ماتت الحمارة وبقيت بردعتها معلقة على الجدار بحجرة الحلال...)ص.100. كما تحولت منازل الطين والحجارة التي عرفتها القرية ( العالم القديم) الى منازل من الاسمنت والحديد . و عرفت القرية الكهرباء .فتخلى الناس عن القناديل القديمة .
بهذا التحول سينسلخ المجتمع القروي عن ماضيه وتراثه. اذ سيحل بالقرية مجموعة من الاجانب يشترون تلك الممتلكات القديمة باثمنة باهضة.( وباع الناس ادوات الزراعة القديمة و ادوات الرقص والملابس و الحلي لاناس لا يعرفون لغتهم . ذوي بشرة حمراء وشعر اشقر. و راح اهل القرية يهزؤون منهم في مجالسهم . اذ كيف لهؤلاء المجانين الذين يدفعون القيمة الغالية في اشياء لا تنفع.)
ص. 109. هكذا ستعرف عوالم القرية القديمة تحولا واختفاءا على جميع المستويات. اختفت معها تلك العلائق بين اهل القرية. و انمحت معها تلك السلطة الابوية اللتي مثلها الشايب عطية و الجدة ( نموذج العالم القديم/ قبل التحول.).
لقد انصرف اهل القرية الى انشغالات جديدة . فلم يرغب الناس( كما يقول السارد) في تربية الدجاج و اقتناء الماشية .فقالوا انها تملا الدور و الساحات بالقدارة. ص.108. فحتى الصلاة لم تعد تجمعهم .( وكان المؤذن في المسجد يدعو الى الصلاة .فلا يجد الا نفرا قليلا من جماعة كانوا يجتمعون يوم الجمعة.)
ص.108. لكن هل حصل هذا التحول على المستوى الجوهري لانسان القرية. ام مجرد تحول شكلي ارتبط بالجانب الحياتي/ المادي.
تحول ام مسخ.
يصور لنا الروائي عبد العزيز مشري حياة شعب( اهل القرية) يغادر ملامحه وحياته السابقة. فقد انتقل من البداوة. لكن ليس الى الحياة المدنية وانما الى المجهول. لان التغيير قد حصل فقط في البنية الخارجية / القشرة. اما الداخل / الوجدان ( حياة البادية) فقد انكسر وانكسرت معه الذات ( 2) .
رفض الشايب عطية هذه الحياة باشكالها الجديدة. وتمسك ببيته الثرابي القديم. (وبقي الشايب يحرق السجائر. ويدرع الدار . ويتحسس حيطانها الطينية ...) ص.105. ان شخصية الشايب عطية في رواية ريح الكادي- توازي في رفضها لهذا التحول شخصية- متعب الهذال- في رواية- التيه- لعبد الرحمان منيف.
يختفي القديم بقوة التحول. ويحل الجديد. لكن هذا الاخير لا متعة ولا جمال فيه. فقد( بدت القرية الهادئة في بيوتها الحجرية المرصوصة كعلب الكبريت.(..)
وبين هذا الالتئام ظهرت بيوت ملجمة بالاسمنت. و بعضها مشيد بالابيض..) ص.93. كما لم يعد لاي شيء طعم بالمقارنة مع العهد السابق. فلم يعد كما يقول السارد( للمطر في القلب فرحة كالتي كانت ترجف ايام الزرع...) ص.97.
تنتهي رواية- ريح الكادي- بالصراع الذي اصبحت القرية تعرفه. صراع لامتلاك الاراضي. وصراع لامتلاك السلطة كذلك. كما ترصد لنا مواصفات الانسان الناي و ملابسات التحولات الاقتصادية والاجتماعية ومستوى الوعي. ومدى طمس معالمه و ملامحه السابقة . فاصبح ممسوخا او يكاد. بلا معالم ولا هوية.
الهوامش.
1- عبد العزيز مشري . ريح الكادي ( رواية). المؤسسة العربية للدراسات و النشر.بيروت.
2- سيزا قاسم .بناء الرواية.ط1. دار التنوير. بيروت. 1985. ص.40.
3- عبد الرحمن منيف . الكاتب و المنفى. ط1. دارالفكر الجديدة. بيروت. 1992.ص.221.
للكاتب : سعيد بوعيطة -المغرب
ان التحول ضرورة تاريخية و حضارية في الوقت نفسه. ترتبط بالانسان في بعده التاريخي و الوجودي. لقد عملت مجموعة من الاعمال الابداعية على رصد هذا التحول بمختلف اشكاله و مستوياته. نذكر من بينها على سبيل المثال لا الحصر. (خماسية مدن الملح لعبد الرحمان منيف اشواق درعية- لمحمد العمري. ريح الكادي لعبد العزيز مشري. الخ...
عبد العزيز مشري واحد من الروائيين السعوديين الذين نحثوا اسماءهم في المشهد الروائي السعودي. يعمل على رصد اليومي بعاداته و تقاليده . متتبعا في الوقت نفسه تحولاته المختلفة. الرواية التي بين يدينا ريح الكادي- ترصد برؤيا عصرية واقع الانسان القروي الجنوبي في الجزيرة العربية( جبال السراة). بحيث تكشف عن ذلك العالم الخاص الذي قامت عليه نسائج بنيته عبر سنين تمتد الى تاريخ ما قبل الاسلام.اذ بقيت تتراكم ضمن المخزون التاريخي الطويل. فبنت بذلك تقاليد واعراف للارض و الانسان.
ان هذا المسلك الابداعي ( الروائي والقصصي). هو ميزة الروائي عبد العزيز مشري في اغلب رواياته- الوسمية- ( 1985). الغيوم ومنابت الشجر- (1988)- الحصون-( 1992). فرواية- ريح الكادي- هي امتداد لهذه الاعمال الروائية.
الارتباط بالارض والاستقرارالعلائقي.
يفتتح لنا السارد رواية ريح الكادي- بتقديم عام لعالم قروي. افتتاحية تبدا وسط الاشياء و القطع في لحظة من حيوات الشخصيات في نقطة معينة. فيبدا المتلقي/ القاريء من هذه اللحظة كذلك.فهو لا يعلم شيئا عما حدث او عما سيحدث.فالافتتاحية كما تشير الناقدة سيزا قاسم تعمل على ادخال القاريء في عالم مجهول. عالم الرواية التخييلي بكل ابعاده.باعطائه الخلفية العامة لهذا العالم والخلفية الخاصة لكل شخصية . ليستطيع ربط الخيوط و الاحداث التي
ستنتج فيما بعد ( 1 ). يفتتح السارد رواية- ريح الكادي- بتقديم عام لفضاء القرية بناسها و مواشيها و دوابها وضجيجها . يقول السارد في الصفحة - 6- ( وادن ديك من فوق مدماك الحجر لاعلى بيت على حافة القرية. وتبعه اذان ديك واخر في الساحة الاهلة بالناس.و بالمواشي و بضجيج العائدين الى بيوتهم من المزارع قبل عودة شمس النهار الى مغربها.).وبعد التقديم العام يدخل السارد في التفاصيل الدقيقة لاهل القرية. الشيخ عطية في علاقته مع ابناءه واحفاده الاربعة. والجدة التي لا تفرق بقرتها.( دخل الشايب عطية ساحة الدار فغمر قلبه انس خافت . وغمرت قامته تلك الساحة المستطيلة الباهثة من الضوء الممتدة امام الباب..فصاح على قدر مسموع.
- يا عيال الخير.. عشيتم الحلال..) ص.8.
على الرغم من اختلاف مجموعة من الاجيال جيل الشايب عطية و الجدة (الاجداد) الابن حامد وزوجته مليحة( الاباء). الابناء ( الاحفاد). فتجمعهم علاقة قوية وترابط متين.لارتباطهم القوي بالقرية/ الارض. يحضر هذا الارتباط على الرغم كذلك من اختلاف الامزجة و الطباع.
- الشايب عطية يمارس سلطته المعنوية ويتحكم في امور العائلة ولا يخرج عن طاعته احد.
- الجدة. تملك نصيبا من هذه السلطة الابوية ( الشايب عطية). لكنها تفق على الحافة بين سلطة الشايب عطية و متطلبات الاولاد و الاحفاد.
تلاحم هذه الاجيال ساهم في الستقرار استقرارها العلائقي. ان عائلة الشايب عطية هي نموذج لذلك العالم القروي المتماسك . ينهي الخلافات بين ناسه . يقول السارد( وعلى الرغم من الجبهتين الكلاميتين اللتين تقارعتا بالشتيمة. فان الحل المعروف في مثل هذه الامور . لا يستحق كل تلك الاذان الصاغية و العيون و الالسن التي تهذر في هذه المناسبات ولكن ما وقع وقع.) ص.34. هذا الاستقرار والارتباط العلائقي عند اهل القرية.
جعل البنية السردية للرواية ( خاصة في بدايتها) تتميز بالثبات والسكون تصل الى حد الرتابة في بعض الوحدات السردية. فالسرد لا يعرف احداثا تدفع به الى الامام لكونه يعكس فضاء القرية الثابت والعلائق المستقرة لاهلها. لعل هذا ما جعل السارد يعتمد في اغلب الاحيان على الوصف و الصور السردية عن شخصيات الرواية( الشايب عطية- ص. 16). ( الجدة-ص.9).
الانسلاخ عن الارض والتفكك العلائقي.
لكن على الرغم من هذا الاستقرار و الثبات الذي يعرفه فضاء القرية والعلاقات بين الشخصيات فان نوعا من التصدع و الانشقاق بدا يلوح في الافق لاهل القري.
يشي بالتغيير و التحول. تحول بدا اولا على مستوى الوعي. تقول شخصية الشايب عطية في الصفحة 18( - نعم .. تموتون من اجل حبة تمر . اين النفس العالية .
اخاف بكرة النهار.. يبيع احدكم ارضه ليشتري التمر و الحلوى. يا عيباه.). فبدا التغيير يدب في اوصال هذا المجتمع التقليدي/القرية. فقد حل راديو الترانسستور .الصغير محل راديو البطارية الثقيلة القديم) ص.17. ويبدا هذا التحول بشكل بارز م خلال حوار شخصية الشايب عطية و شخصية ابنه حامد. يقول السارد في الصفحة- 73-( - يا ابي طول الله عمرك..الزمان يتغير. والدنيا لا تبقى على حال . يا ابي يومكم ليس كيومنا. (...).- اسمع يا ابني .. ارى الزمان يسوء بابنائنا و نحن احياء...).
فالمدرسةالتي عرفتها القرية قد صرفت الابناء عن العمل في الارض و الاهتمام بها(هكذا ترى شخصية الشايب عطية). ( قلت لك جاءت المدارس و صرفت اولادنا عن عمل الارض. وصار الصغير يهزا بالكبير..) ص.83. ان الانسلاخ عن الارض وعدم الاهتمام بها. سيعكس كذلك نوعا من الانحلال على المستوى العلائقي لاهل القرية.واصبحت الفتاة تذهب الى المدرسة( عكس ما ساد في العهد القديم). يقول السارد ص.77( واستيقظت الطفلة بالنبا الذي غزا اذنيها في البيت منذ ايام ورات في نفسها مساواة باخوانها الصبيان الذين يكتبون بالاقلام الملونة في الدفاتر. و يحملون الحقائب الى المدرسة...).
التحول الحياتي/الحياة الجديدة.
لقد امتد هذا التحول الى جل مجالات الحياة. فبعد ان كان الشايب عطية وعائلته
( نموذج لاهل القرية) لا ياكلون سوى عصيدة الذرة او الحنطة وكلاهما ( كما يقول السارد) لا تلذ الا مع مرقة اللحم والبصل .فقد( جاءت الايام بافانين الطعام ورحل الزمان بما حمل. ولم يعد للاحفاد الفة طيبة بالطعام القديم الا نادرا..) ص.84. و مواقيت الصلاة التي ارتبطت لدى اهل القرية بسماع الادان. ارتبطت الان بالساعة المعلقة على الحائط.( سالت ان كان وقت المغرب قد حان . وردت مليحة- وهي تقرا على الحائط الساعة الدائرية السوداء المعلقة ...) ص83.
لقد تم استبدال الغلة و الحمار بالسيارة .فحصل تغيير في حياة الناس و سلوكم وحتى اشكالهم .لكن جوهريا نحو الاسوا.ففي الساحة كما يقول السارد ( سيارة حمراء بصندوق عريض محشو بالحطب .وكان على ما يبدو ان الشايب اشترى حملة الحطب تلك من صاحب السيارة اليوم في سوق الخميس...) ص.93. كما اشترى حامد ( ابن الشايب عطية) سيارة. ( جرت الايام جري السحاب واشترى حامد سيارة. وكفى الله الشايب الشجار اذ ماتت الحمارة وبقيت بردعتها معلقة على الجدار بحجرة الحلال...)ص.100. كما تحولت منازل الطين والحجارة التي عرفتها القرية ( العالم القديم) الى منازل من الاسمنت والحديد . و عرفت القرية الكهرباء .فتخلى الناس عن القناديل القديمة .
بهذا التحول سينسلخ المجتمع القروي عن ماضيه وتراثه. اذ سيحل بالقرية مجموعة من الاجانب يشترون تلك الممتلكات القديمة باثمنة باهضة.( وباع الناس ادوات الزراعة القديمة و ادوات الرقص والملابس و الحلي لاناس لا يعرفون لغتهم . ذوي بشرة حمراء وشعر اشقر. و راح اهل القرية يهزؤون منهم في مجالسهم . اذ كيف لهؤلاء المجانين الذين يدفعون القيمة الغالية في اشياء لا تنفع.)
ص. 109. هكذا ستعرف عوالم القرية القديمة تحولا واختفاءا على جميع المستويات. اختفت معها تلك العلائق بين اهل القرية. و انمحت معها تلك السلطة الابوية اللتي مثلها الشايب عطية و الجدة ( نموذج العالم القديم/ قبل التحول.).
لقد انصرف اهل القرية الى انشغالات جديدة . فلم يرغب الناس( كما يقول السارد) في تربية الدجاج و اقتناء الماشية .فقالوا انها تملا الدور و الساحات بالقدارة. ص.108. فحتى الصلاة لم تعد تجمعهم .( وكان المؤذن في المسجد يدعو الى الصلاة .فلا يجد الا نفرا قليلا من جماعة كانوا يجتمعون يوم الجمعة.)
ص.108. لكن هل حصل هذا التحول على المستوى الجوهري لانسان القرية. ام مجرد تحول شكلي ارتبط بالجانب الحياتي/ المادي.
تحول ام مسخ.
يصور لنا الروائي عبد العزيز مشري حياة شعب( اهل القرية) يغادر ملامحه وحياته السابقة. فقد انتقل من البداوة. لكن ليس الى الحياة المدنية وانما الى المجهول. لان التغيير قد حصل فقط في البنية الخارجية / القشرة. اما الداخل / الوجدان ( حياة البادية) فقد انكسر وانكسرت معه الذات ( 2) .
رفض الشايب عطية هذه الحياة باشكالها الجديدة. وتمسك ببيته الثرابي القديم. (وبقي الشايب يحرق السجائر. ويدرع الدار . ويتحسس حيطانها الطينية ...) ص.105. ان شخصية الشايب عطية في رواية ريح الكادي- توازي في رفضها لهذا التحول شخصية- متعب الهذال- في رواية- التيه- لعبد الرحمان منيف.
يختفي القديم بقوة التحول. ويحل الجديد. لكن هذا الاخير لا متعة ولا جمال فيه. فقد( بدت القرية الهادئة في بيوتها الحجرية المرصوصة كعلب الكبريت.(..)
وبين هذا الالتئام ظهرت بيوت ملجمة بالاسمنت. و بعضها مشيد بالابيض..) ص.93. كما لم يعد لاي شيء طعم بالمقارنة مع العهد السابق. فلم يعد كما يقول السارد( للمطر في القلب فرحة كالتي كانت ترجف ايام الزرع...) ص.97.
تنتهي رواية- ريح الكادي- بالصراع الذي اصبحت القرية تعرفه. صراع لامتلاك الاراضي. وصراع لامتلاك السلطة كذلك. كما ترصد لنا مواصفات الانسان الناي و ملابسات التحولات الاقتصادية والاجتماعية ومستوى الوعي. ومدى طمس معالمه و ملامحه السابقة . فاصبح ممسوخا او يكاد. بلا معالم ولا هوية.
الهوامش.
1- عبد العزيز مشري . ريح الكادي ( رواية). المؤسسة العربية للدراسات و النشر.بيروت.
2- سيزا قاسم .بناء الرواية.ط1. دار التنوير. بيروت. 1985. ص.40.
3- عبد الرحمن منيف . الكاتب و المنفى. ط1. دارالفكر الجديدة. بيروت. 1992.ص.221.