قراءة : فن القصة الشعرية عند الخليلي
04-22-2012 08:37 مساءً
0
0
537
فن القصة الشعرية عند الخليلي
للكاتب : ناصر بن حمود الحسني
oman99277@hotmail.com
مَدْخل :
أولا فنُّ القصَّة الشِّعرية في الأدب العماني :
لا يخلو الشعر العماني من وجود فنّ القصّة الشّعرية من عهد مالك بن فهم الأزدي ورحلته هو وأبناؤه في أودية عمان وصحاريها ، وكذلك مازن بن غضوبة الطائي الذي يصف لنا رحلاته ، وتشرفه برؤية الرسول المصطفى عليه السلام ..
ويمكن أن نقف حول ما كتبه الأشقري أحد شعراء عمان في العصر الأموي ؛ ليظهر لنا جليا فن القصة الشعرية في عمان عندما قال ليزيد بن المهلب يعتذر منه لسوء الأحوال في بلده عمان :
يا لهْفَ نَفْسي عَلَى أمْرٍ حَظَيْتُ بِهِ وَمَا شَفيْتُ بِهِ نَفْسي وأحْقادِي
أفْنيتُ خمسين عاماً في مديحكُمُ ثمَّ اغْتررتَ بقولِ الظّالمِ العَادِي
أبْلغْ يزيدَ قرين الجودِ مألكةً بأنَّ كعْبا أسيراً بن أصفادِ( )
فإنْ عفوتَ فبيتُ الجودِ بيتكُمُ والدَّهرُ طوران من غيٍّ وإرشادِ
وإن مننتَ بصفحٍ أو سمحتَ بِه نزعتُ نحْوك أطْنابي و أوْتادِي( )
ولعل عناصر القصة واضحة في هذه الأبيات فالحدث ، والحوار ، والشخصيات ، والحبكة السردية وأزمة الشاعر مع نفسه ، وبلده التي تشكل العقدة ، وتشكيه ، وطلبه الصفح ، والعفو لإيجاد حل لهذه الأزمة أو العقدة..
وقد نتوقف عند الشاعر الملك العماني سليمان بن سليمان النبهاني لنبرز أهم الملامح الفنية للقصة الشعرية كنموذج أخير قبل الولوج إلى وجودها كظاهرة عند الشاعر عبد الله بن علي الخليلي فالنبهاني جاء شعره جاهليَّ الخصائص وذلك لتأثره بشعر امرئ القيس في بناء القصيدة ، وفي معظم الأغراض الشِّعرية التي قال فيها امرؤ القيس .. وعلى هذا فقد بدت روحُ فنّ القصّة الشّعرية واضحةً جليةً وذلك عندما قال في قصيدته الرائعة :
وفَرعاءَ غرَّاءَ ممكورةٍ من ..... الغيدِ برَّاقة المبسَمِ( )
تسدَّيتُها إذ جنحن النجومُ ..... وخاض الكرى أعينَ النُّوِّم
فقالت من الطارق المشمعلُّ ..... لبابِ خبانا ولم نعلمِ
ألا خفتَ قيّمنا الشّمَّريَّ ..... وشفرةَ صارمِه المِخْذمِ
فأقسمُ بالله أن لو رآك سميـ ..... دعُنا الضَّخمُ لم تسلمِ( )
فقلتُ كذبتِ وقلتِ المُحال ..... فبالإفك بالله لا تُقسمي
فنادت بها أختها هوني ..... فذا صوتُ سيدنا الأعظمِ
لك الويل أيّ أخي سطوةٍ ..... سواه يزوركِ فاستعصمي
فأطرقتِ الخودُ حيرانةً ..... تعضُّ البنان كذي مندمِ
وقالت جُعلتُ فداءَ الهُمامِ ..... سليمان من سيدٍ منعمِ
لقد جئت في جيَّة مُنكراً ..... وذنبي العظيمِ فلم أحلمِ
وقامت مسلّمةً سافراً ..... تبسَّمُ عن واضحٍ أشْبمِ( )
وقالت بجهل جنونا عليك ..... ومثلك يعفو عن المجرم
وبتنا هناك في نعمةٍ ..... بلمياء كالرّشأ الأرثمِ( )
ومن خلال اعتماد الشاعر على الوصف ، والحوار في مغامراته العاطفية ، واستطراداته العفوية التي غالبا ما تكون من صلب الواقع والتي يلعب فيها الخيال دورا بارزا دون تكلف في القص ، والحكاية.. أما الحبكة الفنية التي توجد في فنّ القصّة الشّعرية العمانية فغير معقدة .
و يعود هذا من وجهة نظري الشخصية إلى بساطة الحياة الاجتماعية العمانية والعلاقات الطيبة السائدة بين أفراد المجتمع سواء على مستوى العامة أم على مستوى الخاصة ، وقد تظهر أحيانا العلاقات التسلطية وخاصة عند الملوك كما هو واضح من خلال أبيات النبهاني السابقة.. ولعل هذا ما يميز فنّ القصة الشعرية العمانية ، ويبرز أهم سماتها وخصائصها الفنية ..
ثانيا ترجمة الخليلي :
- نســبـه : \"هو عبد الله بن علي بن عبد الله بن سعيد بن خلفان بن أحمد بن صالح بن أحمد بن عامر بن ناصر بن عامر ابن أبي سالم بن أحمد الخليلي يتصل نسبه بالإمام الخليل بن عبد الله بن عمر بن محمد بن الإمام الخليل بن العلامة شاذان بن الإمام الصلت بن مالك بن بلعرب الخروصي ، فهو خليلي خروصي أزدي\"( )
- مـولده : ولد الخليلي عام 1922م( ) .. وهناك رواية أخرى تقول أنه ولد عام 1939م( ) .. وقد ورد حوار له مع مجلة نزوى يقول فيه الخليلي \" أنا ولدت عام 1922م في عهد عمي الإمام الخليلي \" ( )
- حياته العلمية والثقافية : بدأ الشيخ حياته العلمية بتعلم القرآن الكريم تلاوة ، وتجويدا على أيدي كبار القراء في عمان ، ثم درس العلوم الإسلامية..( ) وقد تثقف الشيخ ثقافية إسلامية ترتكز على الدين الإسلامي الحنيف أسوة بمشايخه العلماء..
- فنّه الشّعري : لقد أثرت البيئة الثقافية العمانية في شخصية الخليلي وصقلت موهبته الشعرية ، إذ كان متصلا عند نشأته بأسرته التي تقرأ اللغة والأدب والثقافة الدينية ، و الشعر العماني مثل شعر النبهاني والبهلاني ، وكذلك قراءة الشعر العربي مثل شعر امرئ القيس والنابغة والفرزدق وأبي تمام والبحتري والمتنبي.. وأبرز الفنون الشعرية عنده الشعر الديني ، و الشعر الوطني والقومي ، و الشعر التاريخي ، و الشعر الغزلي ، وكذلك لا بدّ أن نشير بأن الخليليّ قال في الشّعر الحديث المعروف بالشعر الحر فهو ساير التطور\" أحببت أن أكون في صف الجماهير وأن آخذ بأطراف هذا الشعر\"( )
- وفاته : توفي الشيخ يوم الأحد 30 يوليو 2000م عن عمر اقترب من الثمانين عاما..
مصادرُ فنِّ القصَّة الشِّعرية عند الخليلي
إن مصادر فنّ القصّة الشّعرية عند الشّاعر الخليلي متعددة ومختلفة ، تنبع من اتجاهات وروافد لا حصر لها يمنحها التراث ، والأصالة سمة فنية ، وجمالية راقية ، إذ جعل الخليلي التراث بمحتواه الغني والوفير رافدا ومصدرا يستقي منه إبداعه الشعري ، وفنّه القصصي ، حيث جاءت هذه القصص إما اجتماعية أو عاطفية على أرضية تاريخية.
ومن خلال محاولتنا الكشف ، أو إزاحة الستار عن هذا التراث ؛ فقد نذكر أهم مصادر فنّ القصّة عند شاعرنا الخليلي وهي :
أولا القرآن الكريم :
لا غرابة في أن القرآن جاء في طليعة مصادر القصة في شعر الخليلي ؛ ويرجع ذلك إلى النشأة الدينية الخالصة التي نشأ عليها وتربى في بيئة كلها سماحة ودين وممارسات سمتها الإسلام ، ومنبعها القرآن ، إذ يشكل هذا الكتاب بما فيه من قدسية دستورا لا يمكن أن يحيد عنه بما فيه من دلائل وبراهين محفوظة عند الأسرة ، ولا سيما أنها تعلم وتنشئ أبناءها على ذلك مما جعل الخليلي يوظف القص القرآني ليقيم الحجة ، ويصنع القصة ممزوجة بالواقع ، ومؤطرة بإطار الشرع فقد وظّف القصة القرآنية بعينها عندما قال:
حضريّ له حلوباً من الأبقارِ ..... صـــفراء فـــاقــعٌ مــرآها
تبهجُ الناظرين أرْوعَ من ..... مو صوفةِ النصِّ عنده معناها( )
ومن خلال استدعائه للقصة في سورة البقرة يتّضح لنا القصّ القرآنيّ في قوله تعالى : ((قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسرّ الناظرين)) ( )
وإذا تأملنا قصة \" أخت الزليخا \" نجدها مطابقة تماما لقصة سيدنا يوسف عليه السلام ؛ فقد قال الشاعر مخاطبا \" عبلة ومختار \":
كفكفا الدَّمعَ وابلعاه سيولا ..... واصبرا للقضاء صبراً جَميلا
واسكُنــا حيثُ شئتمـــا تجـــدا ..... الله كفيلاً والفضــلُ منهُ جَزِيــلا( )
ونلاحظ استدعاء قصة سيدنا يوسف وصبره على السجن ، واستسلامه للقضاء والقدر وترك الأمر لله يفعل به كيفما شاء ، إلا أنه وضع الطرد هنا في محل السجن!.
وكذلك الأمر بالنسبة لقصة \" الإخلاص \" تعتبر استدعاء ضمنيا لقصة أصحاب الكهف!
ثانيا الشِّعر العربي القديم:
إن الشعر العربي القديم بما فيه من موروث تراثي قصصي ، يعتبر محفزا ومصدرا لشاعرنا الخليلي ، إذ استحضر الكثير من الحكايات والقصص في شعره مثل ذلك عندما قال في قصة \" الخيزران والرشيد \" التي استلهمها من شعر أبي نواس :
ولكن هاك سحر أبي نواس ..... يزيح السُّتر عن وجه الخفاء
يقول لما هنالك مستبينا ..... حقـيقته فخذه بلا ادِّعاء
\" نضت عنها القميصَ لصبّ ماء ..... فـورده خــدّها قرط الحياء \"
\" وقابلت الــهواء وقد تعرّت ..... بمعتدلٍ أرقَّ من الهباء( ) \"
وكذلك من أبيات المأمون في قصة \" على بيتي المأمون\" عندما قال :
فؤادي كتومٌ لأسـراركم ..... ودمعــي نمـومٌ لســرّي مذيع
فلولا دموعي كتمتُ الهوى ..... ولولا الهوى لم تكنْ لي دموع( )
ثالثا الموروث الشعبي والتاريخي:
تكاد تكون أغلب الشخصيات والأحداث التي استلهم الخليلي منها قصصه تاريخية فعندما يستدعي الشاعر غزوة بني قريظة ويحكيها لنا ساردا المواقف والأحداث بأسلوب يغلب عليه طابع القص والسرد والحكاية حيث قال:
ورأى قريظة شرَّ ما ضمَّ الحمى ..... جاراً فحاصرهم فضاقَ المهيعُ
نقضوا العهودَ فحوصروا حتى ..... إذا خاروا تولَّى حــكمهم مترفعُ
لله سعد وهو يحكمُ والقضـــــا ..... يجري وأبواب السَّماء تقعقعُ( )
والحق أننا إذا تأملنا عناوين القصص التي ساقها الخليلي في شعره نجدها مستلهمة من التاريخ مثل قصة \"هند والكاهن \" فقد استمدها من التاريخ الجاهلي قبل الإسلام- حيث تحدث عن هند بنت عتبة قبل وبعد إسلامها وكذلك قصة \" أخلاق الفاروق \" وقصة \" المسيح والخائن \" فقد حمّل الخليلي هذه القصص معاني إنسانية وأخلاقية وعاطفية مستفيدا من وجودها في التراث الإسلامي والعربي والشعبي ، واستوحاها في شعره ليعالج أهم الإشكاليات والقضايا الاجتماعية بالحكمة والموعظة والمجادلة بالتي هي أحسن..
رابعا الملحمة الإغريقية:
توجد للشاعر الخليلي عدد من القصائد الطويلة والتي يزيد عدد أبياتها عن ( 300 بيتا ) وأبرز هذه القصائد قصيدة بعنوان \" عمان في سجل الدهر \" في ديوانه \" وحي العبقرية \" رصد فيها الحب التاريخية التي مرت بها عمان بدءا بالجاهلية وحكم مالك بن فهم الأزدي وذكر أيامهم ومعاركهم مع الفرس ومرورا بكل الوقائع والأحداث البارزة على أرض عمان وانتهاء بحكم السلطان قابوس بن سعيد ، وقد وصف الشاعر هذه القصيدة بأنها \"ملحمة تاريخية\"( ) فالقصيدة تتحدث عن معركة وجود حضاري وتاريخي حافظ عليه العمانيون حتى أصبح النصر حليفهم ومن الملاحظ على هذه القصيدة أنها تحمل سمة الطول المفرط الذي يدنيها من النفس الملحمي فتعرف الملحمة أنها \" قصة بطولة تحكى شعراً وتحتوي على أفعال عجيبة ، أي على حوادث خارقة للعادة وفيها يتجاوز الوصف مع الحوار وصور الشخصيات والخطب\"( )
قال الخليلي في دخول أهل عمان الإسلام:
إذ وفدنا قبــل أن تبلغنــا ..... دعوةُ المختارِ خير المرسلين
فقرأنا الدِّين شهداً خالصاً ..... فوردنــاه هيامـــاَ أجمــعين
فلنا الفضلُ الَّذي قام بــه ..... مــازنُ الطَّائي سعيــاً لا يلين( )
إلى أن قال في حكم السلطان قابوس بن سعيد :
واسْتَوَى قابوسُ في الحُكمِ ..... على عـدة والنصرُ للـفتحِ المـبينِ
ومــضـى يجــمعُ مــــا شـتَّتـه ..... ذلـك الحكمُ على مرِّ السنينِ
فــــبناهــا دولـــــةً يـافــــعةً ..... نَفَــخَ العَـصْرُ بها روحَ الجلينِ( )
إلا أن هذه الملحمة افتقدت إلى الشخوص والحوادث والمزج بين الحقيقي والخيالي ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو بمن تأثر شاعرنا الخليلي واستلهم هذه الملحمة ؟!
لا ريب أن الإجابة عن هذا السؤال تحيلنا إلى الملحمة التاريخية الإغريقية التي بلا شك اطلع عليها الخليلي وتأثر بها فأبدع لنا هذه القصيدة التي ترصد عمان عبر التاريخ وفي سجل الدهر، وتقرب لنا الأحداث والوقائع بأسلوب فني رائع..
البناءُ الفنِّي للقصَّة فِي شِعْره
وبعد أن عرضنا أهم مصادر فن القصة الشعرية عند الخليلي وجب أن نشير إلى أهم هذه القصص من خلال دواوينه المختلفة ونبدأ بديوان \" وحي العبقرية\" وهي كالآتي : الخيزران والرشيد ، من ملح الرشيد ، على بيتي المأمون ، من طرائف المأمون ، المأمون والجارية ، أقصوصة الروض ، عند الموصلي ، الحزم والوفاء ، حفظ الكرام ، جذيمة والأحداث ، نزار وبنوه ، مبعث الأسى ، البدوي والوهم ، سلطان والغرام من قصص الماضي. ( )
وإذا تأملنا ديوانه \" على ركاب الجمهور \" وجدناه يحتوي على قصص شعرية جاءت كالآتي: كيف أعمل؟ ، صرامة الفاروق ، لا تحتكمي ، ولقيط الخيلاء..
وكذلك إذا انتقلنا إلى ديوان \" بين الحقيقة والخيال \" فهو يضم عددا من القصص جاءت كالآتي : الملك ووزيراه ، أخت الزليخا ، البائسة ، مضل البعير ، الورقاء ، الغار الرهيب ، قصة الإخلاص ، قصة العبر ، قصة المسيح والخائن ، أخلاق الفاروق ، هند والكاهن..
وننطلق من الديوان الأخير وهو \" بين الحقيقة والخيال \" لنجعله حقلا لدراستنا، ومجالا للتطبيق الفني والجمالي ومحاولة دراسة أهم عناصر فنِّ القصِّة الشِّعريَّة من خلال هذا الديوان حيث نبدأ بالآتي:
أولا الحدث:
لا يبدو الحدث غامضا في قصص الشاعر عبد الله الخليلي إنما واضحا ، حيث أن القصة لها بداية ونهاية( )ويأتي الحدث تلو الآخر متسلسلا ومترابطا مع الأحداث المكونة للقصة ، فالقارئ يتلمس ذلك من بداية القصة ووسطها وكذلك نهايتها مخالفا في ذلك كتّابا معاصرين \" يحشدون حوادث القصّة في خلط ، وفوضى لتجيء قصصهم مطابقة للحياة ، لأن حوادث الحياة لا تسير على نظام معلوم تراهم لا يجعلون لقصصهم بداية ولا نهاية...\" ( )
فمثلا في قصة \" الإخلاص \" وبعد أن تطبق الصخرة على الثلاثة في داخل الكهف !! نجد أن خلاصهم لا يأتي مباشرة ، وإنما جاء بمقدمات كانت تمهيدا لمجرى الأحداث ، حيث قاموا يفكرون في عملية الخلاص ، ففكروا في إزالة الصخرة حتى ينجوا من الهلاك ، أو الاستسلام والعيش داخل الكهف ، وفكروا بالمناداة بصوت عال حتى يسمعهم من في الخارج ولكن دون جدوى ، فجاء حدث آخر يتمثل في الاستعانة بالله الواحد الأحد ليحل عنهم هذا البلاء فأراد ربهم ذلك فنجاهم..
وكذلك في قصة \" أخت الزليخا \" التي استوحاها شاعرنا من قصة سيدنا يوسف عليه السلام المذكورة في القرآن الكريم نرى الأحداث متسلسلة يسردها لنا الشاعر بأسلوب فني غاية في الروعة والإبداع ؛ فكانت وفاة الأب سببا مباشرا في عيش الأخوين -عبلة ومختار- مع خالهما حتى شبّا وترعرعا في بيته ثم سافر الخال مما جعل الزوجة تعد وتتهيأ لمختار وعندما رفض الشاب ذلك واستعصم تم طردهما من البيت هو وأخته وكان ذلك سببا في تفرقهما عن بعض .. وهكذا ترتبط الأحداث مع بعضها لتقودنا إلى النهاية.
ثانيا الحوار :
الحوار هو ما يكشف عن مكنون الشخصية ويعبر عنها ليفضحها أمام القارئ ؛ لأنه وسيلة يستطيع المبدع أن يحوكها ، ويبرز أهم تقنياتها الفنية والجمالية ، ويكشف عن خبايا النفس الإنسانية دونما استحياء فيجعل المغطى مكشوفا ، والمستتر ظاهرا ؛ مما يجعلنا نواصل قراءة القصة حتى النهاية ، ولا ريب أن الشاعر الخليلي طوّع الحوار من أجل توضيح ما يختلج من نفسيات ومواقف في خلجات النفس ، والدخول في عوالم النفس وما تحجبه الطبيعة الاجتماعية من أزمات ، و خاصة تلك التي تظهر فيها صفات الحب والإخلاص والوفاء والتضحية وكذلك الكراهية والخيانة والأنانية فمثلا في قصة \" أخت الزليخا \" عندما تحب زوجة الخال \" مختارا \" الولد الذي ربته في بيتها نجده يصور ذلك :
مَا لِقَلْبي تَبِيتَ تَعصرهُ ..... الفــــــــــــــــتْنَةُ كـــــــرماً وللغرامِ اتّقَادُ
وكـــأنَّ المـــختارَ ليس لديه ..... نزعةٌ للهوى ولا استعدادُ
سأعدّ الجمـالَ للإســـــكارِ ..... بسُلافِ الأنُوثةِ المِعْطَار
ومن الشّوقِ جامحٌ في فؤادي ..... تحت سلــــــطان ظافرً قهــــارِ
وجيادُ الميدان تعتلج اللــــــــــــــــــــجم ..... وتهْفو للسَّبق في المضمارِ
وسريري يقضُّ مضجعه الشَّو قُ ..... بشوكٍ لقبلةِ المـــــختارِ( )
فنلاحظ تصوير الصراع الداخلي لخبايا النفس ما يدور فيها من حب لمختار ما كان ليتضح لولا هذا الحوار الداخلي مع الذات للزوجة الخال \" نجاة \" التي أحبت \" مختارا\" وشغفها حبّا وهذا الصراع هو الذي أهلها للوصول إلى ما تريد والكيد بمختار الذي استعصم ، ورفض الوقوع في الجريمة ، وهذا ما ذكرناه سابقا أن الخليلي استدعى بأسلوب جمالي خفيّ قصة سيدنا يوسف عليه السلام !!
أما في قصة \" المسيح والخائن \" فعندما يحصل الخائن على الذهب ويستولي عليه نجده يصور الحوار بأسلوب مختلف حين قال :
قال آتي إلى البِلادِ لعلّي ..... اكتري منه للمراد حمارا
أنقل المالَ فوقه لأبيع البعضَ ..... منه والبعضُ يبْقى ادّخارا( )
فمن الملاحظ هنا أن الشّاعر لم يعن بتصوير الصراع الداخلي ومتعة حبّ المال وكذلك أغفل الآمال المبنيّة عليه !!.. وهذا ما أكّده الدكتور أحمد أمين مصطفى عندما قال \" وقد ضمت قصصه مواقف كثيرةً كان يمكن أن يستغلّها في التّحليل النّفسي ولكنّه أوجز ومرّ بها مروراً خاطفاً.. \"( )
ثالثا الشخصيات :
الشخصية في معظم قصص عبد الله الخليلي ثابتة غير متغيرة لا نجدها تتبدل ولا تغير مواقفها ، لما يرسم لها من خط حتى النهاية ؛ غير أننا نكشف عن بعض القصص التي \"يوجد بها نمو وتطوّر في الشّخصيات\"( ) فمثلا قصة \" البائسة \" نجد أن الشاعر رسم لها عدة خطوط تجعل من هذه الشخصية ذات أبعاد عاطفية متلونة فعندما يصفها بدأ من الخارج حيث يقول:
نظرتُ إليْها والسنينُ عواملُ ..... وفي وجْهِهَا لَمْسٌ مِنَ الضَّعفِ عاملُ
فقلتُ فتاةٌ غيَّر الدَّهرُ حُسْنَهَا ..... وصــرفُ الزَّمـانِ بالتَّــغيُّرِ كــافـلُ( )
ثم بعد ذلك ترك لنا الشخصية مع الصراع الداخلي الذاتي فتذكر مثلا من خلال هذه الأبيات ما أهابها من هم وألم وحسرة وتوجع بأسلوب مثير جدا مما يبعث الشفقة والاستعطاف لهذه الشخصية :
فقالتْ إليكَ اسْمَعْ حدِيثِي فإنَّهُ مثيرٌ وكمْ للجودِ مِنْكَ شمائلُ
لقد ماتت الأمُّ الرَّءومُ ولَمْ أزلْ بمهدِ الصِّبا فاسْتَقْطَبَتْنِي الغوائلُ
وكان أبي لا بُدَّ من زوجةٍ لهُ فكانتْ هي الصَّلُّ الَّذِي لا يُطَاوَلُ( )
وكذلك شخصية الخائن في قصة \" المسيح والخائن \"رسمها الخليلي وفق نمط يتطور بتسلسل الأحداث فنجدها تنمو وتنكشف بتطور الأحداث!! وكذلك نرى الثلاثة الذين أصيبوا بالبلاء وهم الأعمى والأقرع والأبرص في قصة \" العبر \" تتبدل شخصياتهم وتتحول ، والأمر نفسه في شخصية لمياء الجميلة في قصة \" الملك ووزيراه \" حيث وضَّح الحوارُ هذه الشخصية ، ناهيك عن وصف شخصية الوزير العام لها مما جعلها تبدو أكثر اتضاحا وبروزا فأصبحت صورتها أكثر قربا للأذهان..
رابعا العقدة والحل :
الحق أن العقد في قصص الشاعر عبد الله الخليلي بسيطة ، وغير مركبة ، وسهلة ولذلك لا تحتاج إلى جهد كبير للتوصل إلى الحل فهو يعتمد على القضاء والقدر وكذلك القصاص.. \" كما تدين تدان \" .
فمثلا في قصة \" الإخلاص \" وهي التي تحكي عن ثلاثة أشخاص ذهبوا إلى الصحراء فتعرضوا لمطر شديد ثم لجأ الجميع إلى كهف فإذا بصخرة تهبط من الجبل لتسد مدخل الكهف فكادوا قاب قوسين أو أدنى من الهلاك ، هنالك دعوا الله بإخلاص فنجاهم الله من محنتهم! فمن الملاحظ طبعا أن الشاعر جاء بالحل معتمدا على القضاء والقدر إذ يقول :
أنطيقُ الإزلالَ مِنْها وقدْ يَعْ ..... جَزُ عنْهَا سكّانُ ذي الغَبْراء
قوّةُ الله لا تُغالبها القوَّا ..... تُ لو طاولَتْ عَنَانَ السَّماء
أم ترى خلفها نعيشُ وهَلْ ..... ممكنٌ أنَّا نحيا بَمْس نَاء
أم نُنَادي إخواننا ولكم بَيْن ..... المُنَادِي وبَيْنِ صوْتِ النِّدَاء
ضَلَّ إلاَّ إيَّاهُ من هو إن يد ع ..... يجب مَنْ دَعَاهُ عِنْدَ البَلَاء( )
خامسا الزمان :
لم يعط الخليلي الزمن أهمية بالغة ، فهو يعالج القضية ويهتم بها دون أن يحتاج إلى عنصر الزمن وعلى الرغم من ذلك نجده يؤثر في تطور ونمو الشخصيات ، ويجعله عنصرا مهما عندما يحتاج إلى تحويل الأحداث وتبديلها فتارة نجد الزمن يوظفه لتحقيق غاية ، فالزمان سبب في الخيانة والتوبة ، والقسوة والعفو..فالزمن كفيل في أن يتحول الثلاثة في قصة \" العبر \" إلى أغنياء وكفيل أيضا في أن ينسي كلا من الأقرع والأبرص شكر الله مما يجعله كفيلا أيضا في رجوعهما إلى الفقر مرة أخرى! ( )
ففي قصة \" الغار الرهيب \" تم توظيف الزمان لجلب الإثارة والتشويق مما يجعل القارئ متواصلا مع القصة حتى النهاية ومتحمسا لمعرفة الأحداث فعندما تقتل السيدة ذلك الخادم الذي أراد أن يجعلها فريسة لشهوته
وتقطّعه ثم تضعه في كيس فترميه في الكهف ، نجد الزوج مصراً على الذهاب في الصباح لكنّ رهان القوم له أن يذهب ليلا ويعود بزوجته رغم المخاطر في الظلام ووجود الذئاب.. قال الخليلي :
أنْتَ تَخْـشى الظَّلماَء إذْ تَتَحَدَّا ..... كَ أحـَاسِيسُهَا وجنَّ دُجَاهَا
لستُ أخْشى الظَّلامِ والجنُّ فِيهِ ..... والشَّيَاطينُ سخطُها ورِضَاهَا( )
سادسا المكان :
إن مسألة المكان عند شاعرنا الخليلي ليس خاصا أو مكانا بعينه ؛ إنما يتسم المكان كعنصر من عناصر القصة بالشمول والعمومية ، مما يجعله مجهولا في أغلب قصصه ، ولعل ذلك يرجع إلى الهدف السامي الذي يسعى الخليلي لتحقيقه من خلال شعره وهو الدعوة للإسلام ونشر الأخلاقيات التي تتناسب مع قيمه ومبادئه ، ولكنه عني بوصف الطبيعة وذكر المكان في بعض قصصه وذلك ليظهر ما تخفيه الشخصيات وما تكنّه من نفسيات تجاه بعضها البعض كما نلاحظ ذلك في قصة \" الإخلاص \" حيث قال:
إذْ بَكَى النَّوءُ والثَّلاثةُ يَمْشو ..... ن حَيَارَى في ذمَّةِ الصَّحْرَاء
وشِـعِابُ الفـلاةِ تَقْذِفُ بالمَا ..... ء وللـرِّيح خـفَّةٌ فِي الفَضَاء
فاسْتَضَافُوا كهفاً على جبلٍ عَا ..... لٍ منـيعٍ يَحْمِي مِنَ الألْوَاء
واطمأنُّـوا إلَيْه مِنْ وطـْأةِ البَرْ ..... د ومِمَّـا يخـشونَه بِالعَـرَاء
آه مَا للقَـضَـاء سَـاقَ عَليْنـَا ..... خطـراً مِنْ حِجَـارَةٍ صَمَّاء
ألْجَمَتْ بَابَ كَهْفِنَا وأحـالتْ ..... أمْـنَـنَا للمَخـَاوفِ السَّـوْدَاء( )
من الملاحظ هنا أن المكان عند الشاعر يمثل عامل تشويق وإثارة يجعل القارئ متعلقا بالقصة لا ينفك عنها دون أن يعرف التفاصيل.. ( )
الخــاتـمة:
إن ما ضمّنه الخليلي من فنٍّ قصصي في دواوينه الشِّعرية وخاصةً ديوانه \" بين الحقيقة والخيال \" معرض دراستنا هذه وتسطيره لهذا الفنّ دواوين كاملة يعتبر من بواكير الأعمال العمانية في هذا المجال ونوجز هنا أهم ما توصلت إليه هذه الدراسة من نتائج والتي جاءت كالآتي :
أولا: جاء كلُّ شعر الخليلي موافقا مع نظام القصيدة العربية والأوزان الخليلية في ديوانه \" بين الحقيقة والخيال \" وهذا ما جعل فنَّ القصَّةِ ثريَّا وغنيَّا في هذا الديوان..
ثانيا: اتَّسمت قصص الشاعر عبد الله الخليلي في ديوانه \" بين الحقيقة والخيال \" بالتنوع الديني والتاريخي والاجتماعي والعاطفي وهذا ناتجٌ عن النشأة التي نشأ عليها ، والبيئة التي عاش فيها..
ثالثا: أهمّ ما يميز قصص الخليلي في ديوانه \" بين الحقيقة والخيال \" السهولة ، والوضوح ، وعدم التعقيد ولعل ذلك يعود إلى الهدف الذي ذهب إليه من خلال شعره وكذلك إلى الغاية من قول الشعر وهي الدعوة إلى الإسلام والأخلاق الحميدة.
رابعا: تنوّعت مصادرُ فنّ القصّة الشّعرية عند الخليلي في ديوانه \" بين الحقيقة والخيال \" بين القرآن الكريم ، والشعر العربي القديم ، والموروث الشعبي والتاريخي وكذلك الملحمة الإغريقية ؛ فقد وظّف المصدر الأول أكثر من غيره لارتباطه الوثيق به منذ نشأته ، ولإيمانه بأنه المصدر الأول للتشريع الإسلامي.
خامسا: وظّف الخليلي عناصر القصّة في ديوانه \" بين الحقيقة والخيال \" توظيفاً فنّياً ولكنّه عرض الشخصية والحوار بشكل سطحيّ ولذلك شخصية الأبطال تبدو باهتة إلا أنه استطاع أن يشكِّلها في بعض قصصه فأصبحت تعبّر عن نفسها بأسلوبٍ فنّيٍّ دراميٍّ جميلٍ ؛ فاستقلتْ الشخصيةُ وبدأتْ تعبِّر عن نفسها وما تشعر به هي لا ما يشعر به الشّاعرُ أو المبدعُ !.
للكاتب : ناصر بن حمود الحسني
oman99277@hotmail.com
مَدْخل :
أولا فنُّ القصَّة الشِّعرية في الأدب العماني :
لا يخلو الشعر العماني من وجود فنّ القصّة الشّعرية من عهد مالك بن فهم الأزدي ورحلته هو وأبناؤه في أودية عمان وصحاريها ، وكذلك مازن بن غضوبة الطائي الذي يصف لنا رحلاته ، وتشرفه برؤية الرسول المصطفى عليه السلام ..
ويمكن أن نقف حول ما كتبه الأشقري أحد شعراء عمان في العصر الأموي ؛ ليظهر لنا جليا فن القصة الشعرية في عمان عندما قال ليزيد بن المهلب يعتذر منه لسوء الأحوال في بلده عمان :
يا لهْفَ نَفْسي عَلَى أمْرٍ حَظَيْتُ بِهِ وَمَا شَفيْتُ بِهِ نَفْسي وأحْقادِي
أفْنيتُ خمسين عاماً في مديحكُمُ ثمَّ اغْتررتَ بقولِ الظّالمِ العَادِي
أبْلغْ يزيدَ قرين الجودِ مألكةً بأنَّ كعْبا أسيراً بن أصفادِ( )
فإنْ عفوتَ فبيتُ الجودِ بيتكُمُ والدَّهرُ طوران من غيٍّ وإرشادِ
وإن مننتَ بصفحٍ أو سمحتَ بِه نزعتُ نحْوك أطْنابي و أوْتادِي( )
ولعل عناصر القصة واضحة في هذه الأبيات فالحدث ، والحوار ، والشخصيات ، والحبكة السردية وأزمة الشاعر مع نفسه ، وبلده التي تشكل العقدة ، وتشكيه ، وطلبه الصفح ، والعفو لإيجاد حل لهذه الأزمة أو العقدة..
وقد نتوقف عند الشاعر الملك العماني سليمان بن سليمان النبهاني لنبرز أهم الملامح الفنية للقصة الشعرية كنموذج أخير قبل الولوج إلى وجودها كظاهرة عند الشاعر عبد الله بن علي الخليلي فالنبهاني جاء شعره جاهليَّ الخصائص وذلك لتأثره بشعر امرئ القيس في بناء القصيدة ، وفي معظم الأغراض الشِّعرية التي قال فيها امرؤ القيس .. وعلى هذا فقد بدت روحُ فنّ القصّة الشّعرية واضحةً جليةً وذلك عندما قال في قصيدته الرائعة :
وفَرعاءَ غرَّاءَ ممكورةٍ من ..... الغيدِ برَّاقة المبسَمِ( )
تسدَّيتُها إذ جنحن النجومُ ..... وخاض الكرى أعينَ النُّوِّم
فقالت من الطارق المشمعلُّ ..... لبابِ خبانا ولم نعلمِ
ألا خفتَ قيّمنا الشّمَّريَّ ..... وشفرةَ صارمِه المِخْذمِ
فأقسمُ بالله أن لو رآك سميـ ..... دعُنا الضَّخمُ لم تسلمِ( )
فقلتُ كذبتِ وقلتِ المُحال ..... فبالإفك بالله لا تُقسمي
فنادت بها أختها هوني ..... فذا صوتُ سيدنا الأعظمِ
لك الويل أيّ أخي سطوةٍ ..... سواه يزوركِ فاستعصمي
فأطرقتِ الخودُ حيرانةً ..... تعضُّ البنان كذي مندمِ
وقالت جُعلتُ فداءَ الهُمامِ ..... سليمان من سيدٍ منعمِ
لقد جئت في جيَّة مُنكراً ..... وذنبي العظيمِ فلم أحلمِ
وقامت مسلّمةً سافراً ..... تبسَّمُ عن واضحٍ أشْبمِ( )
وقالت بجهل جنونا عليك ..... ومثلك يعفو عن المجرم
وبتنا هناك في نعمةٍ ..... بلمياء كالرّشأ الأرثمِ( )
ومن خلال اعتماد الشاعر على الوصف ، والحوار في مغامراته العاطفية ، واستطراداته العفوية التي غالبا ما تكون من صلب الواقع والتي يلعب فيها الخيال دورا بارزا دون تكلف في القص ، والحكاية.. أما الحبكة الفنية التي توجد في فنّ القصّة الشّعرية العمانية فغير معقدة .
و يعود هذا من وجهة نظري الشخصية إلى بساطة الحياة الاجتماعية العمانية والعلاقات الطيبة السائدة بين أفراد المجتمع سواء على مستوى العامة أم على مستوى الخاصة ، وقد تظهر أحيانا العلاقات التسلطية وخاصة عند الملوك كما هو واضح من خلال أبيات النبهاني السابقة.. ولعل هذا ما يميز فنّ القصة الشعرية العمانية ، ويبرز أهم سماتها وخصائصها الفنية ..
ثانيا ترجمة الخليلي :
- نســبـه : \"هو عبد الله بن علي بن عبد الله بن سعيد بن خلفان بن أحمد بن صالح بن أحمد بن عامر بن ناصر بن عامر ابن أبي سالم بن أحمد الخليلي يتصل نسبه بالإمام الخليل بن عبد الله بن عمر بن محمد بن الإمام الخليل بن العلامة شاذان بن الإمام الصلت بن مالك بن بلعرب الخروصي ، فهو خليلي خروصي أزدي\"( )
- مـولده : ولد الخليلي عام 1922م( ) .. وهناك رواية أخرى تقول أنه ولد عام 1939م( ) .. وقد ورد حوار له مع مجلة نزوى يقول فيه الخليلي \" أنا ولدت عام 1922م في عهد عمي الإمام الخليلي \" ( )
- حياته العلمية والثقافية : بدأ الشيخ حياته العلمية بتعلم القرآن الكريم تلاوة ، وتجويدا على أيدي كبار القراء في عمان ، ثم درس العلوم الإسلامية..( ) وقد تثقف الشيخ ثقافية إسلامية ترتكز على الدين الإسلامي الحنيف أسوة بمشايخه العلماء..
- فنّه الشّعري : لقد أثرت البيئة الثقافية العمانية في شخصية الخليلي وصقلت موهبته الشعرية ، إذ كان متصلا عند نشأته بأسرته التي تقرأ اللغة والأدب والثقافة الدينية ، و الشعر العماني مثل شعر النبهاني والبهلاني ، وكذلك قراءة الشعر العربي مثل شعر امرئ القيس والنابغة والفرزدق وأبي تمام والبحتري والمتنبي.. وأبرز الفنون الشعرية عنده الشعر الديني ، و الشعر الوطني والقومي ، و الشعر التاريخي ، و الشعر الغزلي ، وكذلك لا بدّ أن نشير بأن الخليليّ قال في الشّعر الحديث المعروف بالشعر الحر فهو ساير التطور\" أحببت أن أكون في صف الجماهير وأن آخذ بأطراف هذا الشعر\"( )
- وفاته : توفي الشيخ يوم الأحد 30 يوليو 2000م عن عمر اقترب من الثمانين عاما..
مصادرُ فنِّ القصَّة الشِّعرية عند الخليلي
إن مصادر فنّ القصّة الشّعرية عند الشّاعر الخليلي متعددة ومختلفة ، تنبع من اتجاهات وروافد لا حصر لها يمنحها التراث ، والأصالة سمة فنية ، وجمالية راقية ، إذ جعل الخليلي التراث بمحتواه الغني والوفير رافدا ومصدرا يستقي منه إبداعه الشعري ، وفنّه القصصي ، حيث جاءت هذه القصص إما اجتماعية أو عاطفية على أرضية تاريخية.
ومن خلال محاولتنا الكشف ، أو إزاحة الستار عن هذا التراث ؛ فقد نذكر أهم مصادر فنّ القصّة عند شاعرنا الخليلي وهي :
أولا القرآن الكريم :
لا غرابة في أن القرآن جاء في طليعة مصادر القصة في شعر الخليلي ؛ ويرجع ذلك إلى النشأة الدينية الخالصة التي نشأ عليها وتربى في بيئة كلها سماحة ودين وممارسات سمتها الإسلام ، ومنبعها القرآن ، إذ يشكل هذا الكتاب بما فيه من قدسية دستورا لا يمكن أن يحيد عنه بما فيه من دلائل وبراهين محفوظة عند الأسرة ، ولا سيما أنها تعلم وتنشئ أبناءها على ذلك مما جعل الخليلي يوظف القص القرآني ليقيم الحجة ، ويصنع القصة ممزوجة بالواقع ، ومؤطرة بإطار الشرع فقد وظّف القصة القرآنية بعينها عندما قال:
حضريّ له حلوباً من الأبقارِ ..... صـــفراء فـــاقــعٌ مــرآها
تبهجُ الناظرين أرْوعَ من ..... مو صوفةِ النصِّ عنده معناها( )
ومن خلال استدعائه للقصة في سورة البقرة يتّضح لنا القصّ القرآنيّ في قوله تعالى : ((قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسرّ الناظرين)) ( )
وإذا تأملنا قصة \" أخت الزليخا \" نجدها مطابقة تماما لقصة سيدنا يوسف عليه السلام ؛ فقد قال الشاعر مخاطبا \" عبلة ومختار \":
كفكفا الدَّمعَ وابلعاه سيولا ..... واصبرا للقضاء صبراً جَميلا
واسكُنــا حيثُ شئتمـــا تجـــدا ..... الله كفيلاً والفضــلُ منهُ جَزِيــلا( )
ونلاحظ استدعاء قصة سيدنا يوسف وصبره على السجن ، واستسلامه للقضاء والقدر وترك الأمر لله يفعل به كيفما شاء ، إلا أنه وضع الطرد هنا في محل السجن!.
وكذلك الأمر بالنسبة لقصة \" الإخلاص \" تعتبر استدعاء ضمنيا لقصة أصحاب الكهف!
ثانيا الشِّعر العربي القديم:
إن الشعر العربي القديم بما فيه من موروث تراثي قصصي ، يعتبر محفزا ومصدرا لشاعرنا الخليلي ، إذ استحضر الكثير من الحكايات والقصص في شعره مثل ذلك عندما قال في قصة \" الخيزران والرشيد \" التي استلهمها من شعر أبي نواس :
ولكن هاك سحر أبي نواس ..... يزيح السُّتر عن وجه الخفاء
يقول لما هنالك مستبينا ..... حقـيقته فخذه بلا ادِّعاء
\" نضت عنها القميصَ لصبّ ماء ..... فـورده خــدّها قرط الحياء \"
\" وقابلت الــهواء وقد تعرّت ..... بمعتدلٍ أرقَّ من الهباء( ) \"
وكذلك من أبيات المأمون في قصة \" على بيتي المأمون\" عندما قال :
فؤادي كتومٌ لأسـراركم ..... ودمعــي نمـومٌ لســرّي مذيع
فلولا دموعي كتمتُ الهوى ..... ولولا الهوى لم تكنْ لي دموع( )
ثالثا الموروث الشعبي والتاريخي:
تكاد تكون أغلب الشخصيات والأحداث التي استلهم الخليلي منها قصصه تاريخية فعندما يستدعي الشاعر غزوة بني قريظة ويحكيها لنا ساردا المواقف والأحداث بأسلوب يغلب عليه طابع القص والسرد والحكاية حيث قال:
ورأى قريظة شرَّ ما ضمَّ الحمى ..... جاراً فحاصرهم فضاقَ المهيعُ
نقضوا العهودَ فحوصروا حتى ..... إذا خاروا تولَّى حــكمهم مترفعُ
لله سعد وهو يحكمُ والقضـــــا ..... يجري وأبواب السَّماء تقعقعُ( )
والحق أننا إذا تأملنا عناوين القصص التي ساقها الخليلي في شعره نجدها مستلهمة من التاريخ مثل قصة \"هند والكاهن \" فقد استمدها من التاريخ الجاهلي قبل الإسلام- حيث تحدث عن هند بنت عتبة قبل وبعد إسلامها وكذلك قصة \" أخلاق الفاروق \" وقصة \" المسيح والخائن \" فقد حمّل الخليلي هذه القصص معاني إنسانية وأخلاقية وعاطفية مستفيدا من وجودها في التراث الإسلامي والعربي والشعبي ، واستوحاها في شعره ليعالج أهم الإشكاليات والقضايا الاجتماعية بالحكمة والموعظة والمجادلة بالتي هي أحسن..
رابعا الملحمة الإغريقية:
توجد للشاعر الخليلي عدد من القصائد الطويلة والتي يزيد عدد أبياتها عن ( 300 بيتا ) وأبرز هذه القصائد قصيدة بعنوان \" عمان في سجل الدهر \" في ديوانه \" وحي العبقرية \" رصد فيها الحب التاريخية التي مرت بها عمان بدءا بالجاهلية وحكم مالك بن فهم الأزدي وذكر أيامهم ومعاركهم مع الفرس ومرورا بكل الوقائع والأحداث البارزة على أرض عمان وانتهاء بحكم السلطان قابوس بن سعيد ، وقد وصف الشاعر هذه القصيدة بأنها \"ملحمة تاريخية\"( ) فالقصيدة تتحدث عن معركة وجود حضاري وتاريخي حافظ عليه العمانيون حتى أصبح النصر حليفهم ومن الملاحظ على هذه القصيدة أنها تحمل سمة الطول المفرط الذي يدنيها من النفس الملحمي فتعرف الملحمة أنها \" قصة بطولة تحكى شعراً وتحتوي على أفعال عجيبة ، أي على حوادث خارقة للعادة وفيها يتجاوز الوصف مع الحوار وصور الشخصيات والخطب\"( )
قال الخليلي في دخول أهل عمان الإسلام:
إذ وفدنا قبــل أن تبلغنــا ..... دعوةُ المختارِ خير المرسلين
فقرأنا الدِّين شهداً خالصاً ..... فوردنــاه هيامـــاَ أجمــعين
فلنا الفضلُ الَّذي قام بــه ..... مــازنُ الطَّائي سعيــاً لا يلين( )
إلى أن قال في حكم السلطان قابوس بن سعيد :
واسْتَوَى قابوسُ في الحُكمِ ..... على عـدة والنصرُ للـفتحِ المـبينِ
ومــضـى يجــمعُ مــــا شـتَّتـه ..... ذلـك الحكمُ على مرِّ السنينِ
فــــبناهــا دولـــــةً يـافــــعةً ..... نَفَــخَ العَـصْرُ بها روحَ الجلينِ( )
إلا أن هذه الملحمة افتقدت إلى الشخوص والحوادث والمزج بين الحقيقي والخيالي ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو بمن تأثر شاعرنا الخليلي واستلهم هذه الملحمة ؟!
لا ريب أن الإجابة عن هذا السؤال تحيلنا إلى الملحمة التاريخية الإغريقية التي بلا شك اطلع عليها الخليلي وتأثر بها فأبدع لنا هذه القصيدة التي ترصد عمان عبر التاريخ وفي سجل الدهر، وتقرب لنا الأحداث والوقائع بأسلوب فني رائع..
البناءُ الفنِّي للقصَّة فِي شِعْره
وبعد أن عرضنا أهم مصادر فن القصة الشعرية عند الخليلي وجب أن نشير إلى أهم هذه القصص من خلال دواوينه المختلفة ونبدأ بديوان \" وحي العبقرية\" وهي كالآتي : الخيزران والرشيد ، من ملح الرشيد ، على بيتي المأمون ، من طرائف المأمون ، المأمون والجارية ، أقصوصة الروض ، عند الموصلي ، الحزم والوفاء ، حفظ الكرام ، جذيمة والأحداث ، نزار وبنوه ، مبعث الأسى ، البدوي والوهم ، سلطان والغرام من قصص الماضي. ( )
وإذا تأملنا ديوانه \" على ركاب الجمهور \" وجدناه يحتوي على قصص شعرية جاءت كالآتي: كيف أعمل؟ ، صرامة الفاروق ، لا تحتكمي ، ولقيط الخيلاء..
وكذلك إذا انتقلنا إلى ديوان \" بين الحقيقة والخيال \" فهو يضم عددا من القصص جاءت كالآتي : الملك ووزيراه ، أخت الزليخا ، البائسة ، مضل البعير ، الورقاء ، الغار الرهيب ، قصة الإخلاص ، قصة العبر ، قصة المسيح والخائن ، أخلاق الفاروق ، هند والكاهن..
وننطلق من الديوان الأخير وهو \" بين الحقيقة والخيال \" لنجعله حقلا لدراستنا، ومجالا للتطبيق الفني والجمالي ومحاولة دراسة أهم عناصر فنِّ القصِّة الشِّعريَّة من خلال هذا الديوان حيث نبدأ بالآتي:
أولا الحدث:
لا يبدو الحدث غامضا في قصص الشاعر عبد الله الخليلي إنما واضحا ، حيث أن القصة لها بداية ونهاية( )ويأتي الحدث تلو الآخر متسلسلا ومترابطا مع الأحداث المكونة للقصة ، فالقارئ يتلمس ذلك من بداية القصة ووسطها وكذلك نهايتها مخالفا في ذلك كتّابا معاصرين \" يحشدون حوادث القصّة في خلط ، وفوضى لتجيء قصصهم مطابقة للحياة ، لأن حوادث الحياة لا تسير على نظام معلوم تراهم لا يجعلون لقصصهم بداية ولا نهاية...\" ( )
فمثلا في قصة \" الإخلاص \" وبعد أن تطبق الصخرة على الثلاثة في داخل الكهف !! نجد أن خلاصهم لا يأتي مباشرة ، وإنما جاء بمقدمات كانت تمهيدا لمجرى الأحداث ، حيث قاموا يفكرون في عملية الخلاص ، ففكروا في إزالة الصخرة حتى ينجوا من الهلاك ، أو الاستسلام والعيش داخل الكهف ، وفكروا بالمناداة بصوت عال حتى يسمعهم من في الخارج ولكن دون جدوى ، فجاء حدث آخر يتمثل في الاستعانة بالله الواحد الأحد ليحل عنهم هذا البلاء فأراد ربهم ذلك فنجاهم..
وكذلك في قصة \" أخت الزليخا \" التي استوحاها شاعرنا من قصة سيدنا يوسف عليه السلام المذكورة في القرآن الكريم نرى الأحداث متسلسلة يسردها لنا الشاعر بأسلوب فني غاية في الروعة والإبداع ؛ فكانت وفاة الأب سببا مباشرا في عيش الأخوين -عبلة ومختار- مع خالهما حتى شبّا وترعرعا في بيته ثم سافر الخال مما جعل الزوجة تعد وتتهيأ لمختار وعندما رفض الشاب ذلك واستعصم تم طردهما من البيت هو وأخته وكان ذلك سببا في تفرقهما عن بعض .. وهكذا ترتبط الأحداث مع بعضها لتقودنا إلى النهاية.
ثانيا الحوار :
الحوار هو ما يكشف عن مكنون الشخصية ويعبر عنها ليفضحها أمام القارئ ؛ لأنه وسيلة يستطيع المبدع أن يحوكها ، ويبرز أهم تقنياتها الفنية والجمالية ، ويكشف عن خبايا النفس الإنسانية دونما استحياء فيجعل المغطى مكشوفا ، والمستتر ظاهرا ؛ مما يجعلنا نواصل قراءة القصة حتى النهاية ، ولا ريب أن الشاعر الخليلي طوّع الحوار من أجل توضيح ما يختلج من نفسيات ومواقف في خلجات النفس ، والدخول في عوالم النفس وما تحجبه الطبيعة الاجتماعية من أزمات ، و خاصة تلك التي تظهر فيها صفات الحب والإخلاص والوفاء والتضحية وكذلك الكراهية والخيانة والأنانية فمثلا في قصة \" أخت الزليخا \" عندما تحب زوجة الخال \" مختارا \" الولد الذي ربته في بيتها نجده يصور ذلك :
مَا لِقَلْبي تَبِيتَ تَعصرهُ ..... الفــــــــــــــــتْنَةُ كـــــــرماً وللغرامِ اتّقَادُ
وكـــأنَّ المـــختارَ ليس لديه ..... نزعةٌ للهوى ولا استعدادُ
سأعدّ الجمـالَ للإســـــكارِ ..... بسُلافِ الأنُوثةِ المِعْطَار
ومن الشّوقِ جامحٌ في فؤادي ..... تحت سلــــــطان ظافرً قهــــارِ
وجيادُ الميدان تعتلج اللــــــــــــــــــــجم ..... وتهْفو للسَّبق في المضمارِ
وسريري يقضُّ مضجعه الشَّو قُ ..... بشوكٍ لقبلةِ المـــــختارِ( )
فنلاحظ تصوير الصراع الداخلي لخبايا النفس ما يدور فيها من حب لمختار ما كان ليتضح لولا هذا الحوار الداخلي مع الذات للزوجة الخال \" نجاة \" التي أحبت \" مختارا\" وشغفها حبّا وهذا الصراع هو الذي أهلها للوصول إلى ما تريد والكيد بمختار الذي استعصم ، ورفض الوقوع في الجريمة ، وهذا ما ذكرناه سابقا أن الخليلي استدعى بأسلوب جمالي خفيّ قصة سيدنا يوسف عليه السلام !!
أما في قصة \" المسيح والخائن \" فعندما يحصل الخائن على الذهب ويستولي عليه نجده يصور الحوار بأسلوب مختلف حين قال :
قال آتي إلى البِلادِ لعلّي ..... اكتري منه للمراد حمارا
أنقل المالَ فوقه لأبيع البعضَ ..... منه والبعضُ يبْقى ادّخارا( )
فمن الملاحظ هنا أن الشّاعر لم يعن بتصوير الصراع الداخلي ومتعة حبّ المال وكذلك أغفل الآمال المبنيّة عليه !!.. وهذا ما أكّده الدكتور أحمد أمين مصطفى عندما قال \" وقد ضمت قصصه مواقف كثيرةً كان يمكن أن يستغلّها في التّحليل النّفسي ولكنّه أوجز ومرّ بها مروراً خاطفاً.. \"( )
ثالثا الشخصيات :
الشخصية في معظم قصص عبد الله الخليلي ثابتة غير متغيرة لا نجدها تتبدل ولا تغير مواقفها ، لما يرسم لها من خط حتى النهاية ؛ غير أننا نكشف عن بعض القصص التي \"يوجد بها نمو وتطوّر في الشّخصيات\"( ) فمثلا قصة \" البائسة \" نجد أن الشاعر رسم لها عدة خطوط تجعل من هذه الشخصية ذات أبعاد عاطفية متلونة فعندما يصفها بدأ من الخارج حيث يقول:
نظرتُ إليْها والسنينُ عواملُ ..... وفي وجْهِهَا لَمْسٌ مِنَ الضَّعفِ عاملُ
فقلتُ فتاةٌ غيَّر الدَّهرُ حُسْنَهَا ..... وصــرفُ الزَّمـانِ بالتَّــغيُّرِ كــافـلُ( )
ثم بعد ذلك ترك لنا الشخصية مع الصراع الداخلي الذاتي فتذكر مثلا من خلال هذه الأبيات ما أهابها من هم وألم وحسرة وتوجع بأسلوب مثير جدا مما يبعث الشفقة والاستعطاف لهذه الشخصية :
فقالتْ إليكَ اسْمَعْ حدِيثِي فإنَّهُ مثيرٌ وكمْ للجودِ مِنْكَ شمائلُ
لقد ماتت الأمُّ الرَّءومُ ولَمْ أزلْ بمهدِ الصِّبا فاسْتَقْطَبَتْنِي الغوائلُ
وكان أبي لا بُدَّ من زوجةٍ لهُ فكانتْ هي الصَّلُّ الَّذِي لا يُطَاوَلُ( )
وكذلك شخصية الخائن في قصة \" المسيح والخائن \"رسمها الخليلي وفق نمط يتطور بتسلسل الأحداث فنجدها تنمو وتنكشف بتطور الأحداث!! وكذلك نرى الثلاثة الذين أصيبوا بالبلاء وهم الأعمى والأقرع والأبرص في قصة \" العبر \" تتبدل شخصياتهم وتتحول ، والأمر نفسه في شخصية لمياء الجميلة في قصة \" الملك ووزيراه \" حيث وضَّح الحوارُ هذه الشخصية ، ناهيك عن وصف شخصية الوزير العام لها مما جعلها تبدو أكثر اتضاحا وبروزا فأصبحت صورتها أكثر قربا للأذهان..
رابعا العقدة والحل :
الحق أن العقد في قصص الشاعر عبد الله الخليلي بسيطة ، وغير مركبة ، وسهلة ولذلك لا تحتاج إلى جهد كبير للتوصل إلى الحل فهو يعتمد على القضاء والقدر وكذلك القصاص.. \" كما تدين تدان \" .
فمثلا في قصة \" الإخلاص \" وهي التي تحكي عن ثلاثة أشخاص ذهبوا إلى الصحراء فتعرضوا لمطر شديد ثم لجأ الجميع إلى كهف فإذا بصخرة تهبط من الجبل لتسد مدخل الكهف فكادوا قاب قوسين أو أدنى من الهلاك ، هنالك دعوا الله بإخلاص فنجاهم الله من محنتهم! فمن الملاحظ طبعا أن الشاعر جاء بالحل معتمدا على القضاء والقدر إذ يقول :
أنطيقُ الإزلالَ مِنْها وقدْ يَعْ ..... جَزُ عنْهَا سكّانُ ذي الغَبْراء
قوّةُ الله لا تُغالبها القوَّا ..... تُ لو طاولَتْ عَنَانَ السَّماء
أم ترى خلفها نعيشُ وهَلْ ..... ممكنٌ أنَّا نحيا بَمْس نَاء
أم نُنَادي إخواننا ولكم بَيْن ..... المُنَادِي وبَيْنِ صوْتِ النِّدَاء
ضَلَّ إلاَّ إيَّاهُ من هو إن يد ع ..... يجب مَنْ دَعَاهُ عِنْدَ البَلَاء( )
خامسا الزمان :
لم يعط الخليلي الزمن أهمية بالغة ، فهو يعالج القضية ويهتم بها دون أن يحتاج إلى عنصر الزمن وعلى الرغم من ذلك نجده يؤثر في تطور ونمو الشخصيات ، ويجعله عنصرا مهما عندما يحتاج إلى تحويل الأحداث وتبديلها فتارة نجد الزمن يوظفه لتحقيق غاية ، فالزمان سبب في الخيانة والتوبة ، والقسوة والعفو..فالزمن كفيل في أن يتحول الثلاثة في قصة \" العبر \" إلى أغنياء وكفيل أيضا في أن ينسي كلا من الأقرع والأبرص شكر الله مما يجعله كفيلا أيضا في رجوعهما إلى الفقر مرة أخرى! ( )
ففي قصة \" الغار الرهيب \" تم توظيف الزمان لجلب الإثارة والتشويق مما يجعل القارئ متواصلا مع القصة حتى النهاية ومتحمسا لمعرفة الأحداث فعندما تقتل السيدة ذلك الخادم الذي أراد أن يجعلها فريسة لشهوته
وتقطّعه ثم تضعه في كيس فترميه في الكهف ، نجد الزوج مصراً على الذهاب في الصباح لكنّ رهان القوم له أن يذهب ليلا ويعود بزوجته رغم المخاطر في الظلام ووجود الذئاب.. قال الخليلي :
أنْتَ تَخْـشى الظَّلماَء إذْ تَتَحَدَّا ..... كَ أحـَاسِيسُهَا وجنَّ دُجَاهَا
لستُ أخْشى الظَّلامِ والجنُّ فِيهِ ..... والشَّيَاطينُ سخطُها ورِضَاهَا( )
سادسا المكان :
إن مسألة المكان عند شاعرنا الخليلي ليس خاصا أو مكانا بعينه ؛ إنما يتسم المكان كعنصر من عناصر القصة بالشمول والعمومية ، مما يجعله مجهولا في أغلب قصصه ، ولعل ذلك يرجع إلى الهدف السامي الذي يسعى الخليلي لتحقيقه من خلال شعره وهو الدعوة للإسلام ونشر الأخلاقيات التي تتناسب مع قيمه ومبادئه ، ولكنه عني بوصف الطبيعة وذكر المكان في بعض قصصه وذلك ليظهر ما تخفيه الشخصيات وما تكنّه من نفسيات تجاه بعضها البعض كما نلاحظ ذلك في قصة \" الإخلاص \" حيث قال:
إذْ بَكَى النَّوءُ والثَّلاثةُ يَمْشو ..... ن حَيَارَى في ذمَّةِ الصَّحْرَاء
وشِـعِابُ الفـلاةِ تَقْذِفُ بالمَا ..... ء وللـرِّيح خـفَّةٌ فِي الفَضَاء
فاسْتَضَافُوا كهفاً على جبلٍ عَا ..... لٍ منـيعٍ يَحْمِي مِنَ الألْوَاء
واطمأنُّـوا إلَيْه مِنْ وطـْأةِ البَرْ ..... د ومِمَّـا يخـشونَه بِالعَـرَاء
آه مَا للقَـضَـاء سَـاقَ عَليْنـَا ..... خطـراً مِنْ حِجَـارَةٍ صَمَّاء
ألْجَمَتْ بَابَ كَهْفِنَا وأحـالتْ ..... أمْـنَـنَا للمَخـَاوفِ السَّـوْدَاء( )
من الملاحظ هنا أن المكان عند الشاعر يمثل عامل تشويق وإثارة يجعل القارئ متعلقا بالقصة لا ينفك عنها دون أن يعرف التفاصيل.. ( )
الخــاتـمة:
إن ما ضمّنه الخليلي من فنٍّ قصصي في دواوينه الشِّعرية وخاصةً ديوانه \" بين الحقيقة والخيال \" معرض دراستنا هذه وتسطيره لهذا الفنّ دواوين كاملة يعتبر من بواكير الأعمال العمانية في هذا المجال ونوجز هنا أهم ما توصلت إليه هذه الدراسة من نتائج والتي جاءت كالآتي :
أولا: جاء كلُّ شعر الخليلي موافقا مع نظام القصيدة العربية والأوزان الخليلية في ديوانه \" بين الحقيقة والخيال \" وهذا ما جعل فنَّ القصَّةِ ثريَّا وغنيَّا في هذا الديوان..
ثانيا: اتَّسمت قصص الشاعر عبد الله الخليلي في ديوانه \" بين الحقيقة والخيال \" بالتنوع الديني والتاريخي والاجتماعي والعاطفي وهذا ناتجٌ عن النشأة التي نشأ عليها ، والبيئة التي عاش فيها..
ثالثا: أهمّ ما يميز قصص الخليلي في ديوانه \" بين الحقيقة والخيال \" السهولة ، والوضوح ، وعدم التعقيد ولعل ذلك يعود إلى الهدف الذي ذهب إليه من خلال شعره وكذلك إلى الغاية من قول الشعر وهي الدعوة إلى الإسلام والأخلاق الحميدة.
رابعا: تنوّعت مصادرُ فنّ القصّة الشّعرية عند الخليلي في ديوانه \" بين الحقيقة والخيال \" بين القرآن الكريم ، والشعر العربي القديم ، والموروث الشعبي والتاريخي وكذلك الملحمة الإغريقية ؛ فقد وظّف المصدر الأول أكثر من غيره لارتباطه الوثيق به منذ نشأته ، ولإيمانه بأنه المصدر الأول للتشريع الإسلامي.
خامسا: وظّف الخليلي عناصر القصّة في ديوانه \" بين الحقيقة والخيال \" توظيفاً فنّياً ولكنّه عرض الشخصية والحوار بشكل سطحيّ ولذلك شخصية الأبطال تبدو باهتة إلا أنه استطاع أن يشكِّلها في بعض قصصه فأصبحت تعبّر عن نفسها بأسلوبٍ فنّيٍّ دراميٍّ جميلٍ ؛ فاستقلتْ الشخصيةُ وبدأتْ تعبِّر عن نفسها وما تشعر به هي لا ما يشعر به الشّاعرُ أو المبدعُ !.