بو شرْهَة للكاتب محمد عيد العريمي (قصة قصيرة)
02-18-2012 09:29 صباحاً
0
0
358
![]() | ![]() | |
| بو شرْهَة لـ: محمد عيد العريمي وحين سال من باطنها الثراء، ونفضت عن رأسها غبار الكفن، سارع من تركها بحثًا عن رزق بالعودة إليها. اسمه \"بن علان\". جاء يحمل على كاهليه عوز قريته وفقرها، وفي صرة ثيابه من المال بالكاد يكفي لدفع أجرة غرفة ضيقة، وإيجار شهر لدكان متواضع الحال فتحه، من دون ترخيص ولا أوراق، لبيع المواد الغذائية في شارع رئيس بمنطقة تحولت في غضون بضع سنوات من واحة زراعية غناء إلى ورشة اكتظت بالبناء الأفقي والرأسي، وازدحمت بغرباء تنوعت مهاراتهم ومؤهلاتهم، وضاع صوت أهلها وسط ضجيج اللغات واللهجات! *** قرر طرد شبح الفقر والتشرد من حياته \"مهما كان الثمن\"، فإن لمْ يُولد وفي فمه ملعقة من ذهب، إلا أنه عزم على خلع رداء الفاقة والعوز عن ظهره، وقرر أن يعيش كما يعيش الأمراء، ويخلف أولادًا ينعمون بطفولة هنيئة ومعيشة رغدة.. تعويضا عن كل ما عاناه، وحُرم منه. لم يمضِ طولٌ من الوقت حتى عرف دهاليز السوق وأزقتها.. الضيق منها والواسع، وأسرار التجارة لاسيما العقارات والمقاولات، فأتقن كيف تُجرى الصفقات ومن أين تؤكل كتف المال العام، وتمرَّس في فن العلاقات العامة، وأساليب المديح والتملق لكسب ودِّ أقطاب المال وأصحاب الكراسي، ومن يملكون حق اتخاذ القرار، وعرف كيف تُوزع العوائد وتقسم الغنائم، وتمنح الوعود وتخصص العقود، وأصبح، بذكائه الحاد وحضوره القوي، واستعداده لملء الفراغ أينما وكيفما كان، \"جوكر\" لا يستعصي عليه باب! وكان حريصا على كسب ود المتنفذين، وأظهر موهبة لا تُضاهى في تلبية رغباتهم ونزواتهم، واجتهد أكثر في معرفة أهوائهم وتلبيتها من دون أن يُطلب منه! وكان على استعداد أن يوطي رأسه ويخوض في بركة الوحل حتى الركبتين؛ فـ\"ليس هناك خيار آخر لمن لا يملك مؤهلا ولا ومهارة غير خبرة شرطي مرور في دولة مجاورة\".. هذا ما أقنع به نفسه، وتوصل إليه للوصول إلى أهدافه، بعد أن خبر فسوق بعضهم وفسادهم، في محيط لا يتيح لك الفرصة لتقييم مسيرتك بمقياس الأخلاق أو الخطأ والصواب ـ غير أن تمضي باتجاه واحد.. تدفع بكل ما تملك من أجل تثبيت قدم ورفع ثانية لمواصلة السير! وهكذا مضى يرسم خطاه. وكان كلما خاض تجربة وأنهاها بسلام، بدأ يبحث عن باب آخر لم يطرقه من قبل، ولم يتورع، وهو الذي لا تعوزه الجراءة ولا الحضور، في استخدام السبل كافة في سبيل الوصول إلى ما يريده. ويمكن التأكيد أن مصطلح \"الشَّرْهَة\" الذي شاع خلال سنوات خطط التنمية الأولى، والذي أصبح عرفًا عند البعض، ورمزا للفساد عند آخرين، هو من بنات أفكاره؛ فاقترن اسمه بها، واشتهر بين أعدائه وأصدقائه، على حد سواء، بـ \"بو شرْهَة.\" تسريب قرار خفض سعر العملة الوطنية مقابل العملة الأجنبية المرتبطة بها، قبل إعلانه رسميًّا، وكان قد نقلَ إليه الخبر موظف يتولى منصبًا تنفيذيًّا رفيعًا في أحد المصارف الوطنية الكبيرة نقطة تحول رئيسية في سيره الحثيث لكسب المال؛ فأصبحا بين ليلة وضحاها في قائمة الأثرياء! ولأن اللقمة كانت أكبر من أن يبتلعها حلق واحد، وأخطر من أن يتحمل تبعاتها اسم لم يشتد عوده بعد، لما تكتنفه من مخاطر؛ لجأ إلى أحد رجال الصف الأول في السلطة ممن لا تُرد الأبواب في وجهه ولا يقال له \"لا\"، ليتقاسم معه الربح، ويصرف عنه الشبهة. كان يزداد تلوثا وجشعًا كلما أوغل في السوق، ومع كل صفقة جديدة كا عليه تقديم المزيد من الهبات و\"الشرهات\"، وخدمات أخرى متنوعة؛ فارتفع اسمه التجاري مع ارتفاع رصيده في البنوك، وعدد أسهمه في محافظ سوق المال، وتوسع نشاطاته في مجال العقارات. كالعادة، كان لا بد أن يُتَوَّج المال بلقب؛ فالثروة تأتي بالوجاهة؛ فقد أصبح موظفو المؤسسة، ووكلاؤها والمتملقون والمنافقون، وبإعزاز خفي من قبل مدير العلاقات العامة، يحرصون ـ تزلفا ـ على وضع صفة \"الشيخ\" أمام اسمه. ولم يكن إشهار اللقب الجديد يحتاج لكثير من الوقت؛ فقد بدأت إعلانات المؤسسة وتهانيها وتعازيها تظهر في الصحف مذيلة بلقب \"الشيخ\" أمام اسمه، ومن دون الحاجة إلى تقديم عريضة موقعة من قبل عدد من الناس يزكون فيها أحقية صاحب الطلب باللقب، وراتب شهري لا يتجاوز نصف راتب موظف في الدرجة الأخيرة من السلم الوظيفي. وحين أراد تطهير صفحة سيرته وتنظيف أمواله رجع إلى الله وفعل الخير، وإن تأخرا كثيرا، فأخذ يُنْفِق قليلا من ماله \"إرضاء لله\" ورِئَاء الناس. فشيد بيوت الله، والتزم بدفع الزكاة في مواقيتها اعتقادًا أنها تُطَهِّر أمواله من دنس استثمارها في البنوك الربوية، وواظب على زيارة قبر أمه، والجلوس إلى بعض أهله في قريته، وكان يمر على الأحياء الفقيرة بالمدينة لتوزيع الهبات والصدقات ومساعدة الفقراء والمحتاجين، وأسس دورًا لكفالة الأيتام في أكثر من مكان، وأخذ يتردد على المساجد.. يواظب على الصلوات الخمس فيها، ويجالس شيوخ الدين.. ظنًا أن كل ذلك سيشفع له يوم الحساب! خمسة وثلاثون عاما مضت، وعينه لا تكف، كل صباح، النظر إلى صورة قديمة، بالأبيض والأسود.. تظهر شاباً في مقتبل العمر بملابس رثة مرقعة في أكثر من مكان.. يحمل حقيبة ممزقة الأطراف أقرب إلى الصرة، ظل يعلقها على جدران غرف نومه، وينقلها من جار غرفة إلى أخرى، كلما انتقل إلى منزل أفضل من الذي قبله.. بدءًا من جدار الطين في أول غرفة سكنها بالمدينة إلى أن استقرت على جدار غرفة نومه في فلة فخمة بحجم قصر في حي الشاطئ.. أرقى أحياء المدينة. | ||
![]() | ![]() |



