• ×
السبت 13 يونيو 2026 | 03-01-2013

رغبة هروب للكاتبة امينة الحماقي (قصة قصيرة)

رغبة هروب للكاتبة امينة الحماقي (قصة قصيرة)
0
0
544
 
رغبة هروب (قصة قصيرة)
أمينة الحماقي / البحرين



ها أنا أفرد نفسي وحيدا، يصطحبني الغبار أستظل سياج المدينة لا أجرؤ، ولا رفيق إلا أشجار السرو العملاقة تنبش بحفيفها في بعثرة الظلام وتقوض تفاصيلي في الخوف.

منذ عدت ألوي وهذا الطريق الطويل يتربصني لـ يمزقني كأوراق الخريف ، ويسوم قلقي بسؤال ضخم عنها؟

عدت وما يشبهني يشد خيط الندم أجرجره كلما تذكرت تبريراتي الملغزة لها وهي تداعي شجن الليل في أعماقها تترجى رضاها بقبول العذر وما هناك إلا ذوب الدمع يلمض من عينيها المطفأتين كنصل شق الظلام ليستقر بصدري غير أني تركتها نهب لحيرتها في .. لا هناك يهجع الظلام فيها دون أن تدركه.

وبتسلل سلخت نفسي وانتهيت من لحظة صمت حاصرت تفكيري تحت أنغام علبة الباندور وهيأت الهروب من أمامها وشباكها يشهد المدى بين عتمتين لم يشفعا لوحدتها التي ترن في ضلوعي حتى انزلقت في المتوحش من ضميري بلا مبالاة لأخلف كل معاناة لمفاهيمها الخاصة وكممت الأعذار واستغفلت وحدتها و تدفقت رويدا في عتمة الطريق وصقيعه البارد الذي أخذت الثلوج الكثيفة بكل تفاصيله فلم أعد أتبينه ولقد وهبت ساقي للريح لألحق بالحرية المتجهة إلى لا هناك.

كل ما وعيته حينها أن هناك متعة شرسة تحيك بي الغدر تقودني بشغف للهروب للحرية والانفلات من قيد الإرث القاسي وقد اقتنيت ذاتي في الوقت الذي وقفت هي تتوغل في الصمت بينما عينيها تبحر في ظلام دامس دون أن تعيه .

وبعدها استسلمت وملامح وجهها تنبأ باختناقها فزع وكاني بها تفكر بالمصير الذي ستواجهه وحيدة فلم تجد بعدها إلا النزوع لمصير حياتها تسمع دبيب يديها وهي تتعلم الطريق وتلتمس الناجي منه والدليل لم تكن تلوم هروبه فالإرث القاسي من والديه قد حمله الكثير، إذ بعض الأحيان يهزم الصبر بمباراته مع القيد، تفكر وكأنها تحمل وصية عذر لمعروف ينغلق على معنى شائك، إذ هو من سد ثغرة عينيها منذ عمره الصغير دون أن يتذمر بل كان المسافة التي تكلل الفجر ببوارق النور ، هي تعلم أن هناك قادم زمني ، يختزل رسالة صغيرة تنبثق من شذراتها المقتضبة رائحة قهوته وهي تنجم خطواته كل حزن ، تراود رغبته بالفرار ، فتكتفي بالإيقاع الأثيري لهمسها المُلح بينما القلق ينقر على رأسها بتآزر الحواس المتبقية بعاطفة تحاول هزمها غير أنها لاذت بالصمت وكأني بها تتأهل لفراغ مكانه .

هو الفقر الروحي المتحذلق في البشر يثلم العزم ويكسر بواقعه ما ذاب وتسامح من شوارد الحياة و يراود على بعض التنازلات ويلوي ذراع الرضا بعتاب صامت
وبعد هدر خمس من زمن الزمن يعود يتسلل من شرخ الندم بخطوات متثاقلة وانكسار قد شتت تفكيره الذي اختبأ تحت قبعته السوداء وصدره يقبع تحت زمجرة من السعال الثقيل بعد غياب عنها دون أن يسأل أو يدري كيف كانت تستجدي لقمتها في الظلام المهيمن على جهاتها.

وها هو يعود ليجدها تقبع في زاويتها المعهودة في شرود وأبرة الكروشيه تداعب أناملها الدقيقة ، تصاحبها أنغام علبة الباندور الموسيقية تشدو بحزنها ، وعينيها الواسعتين تحدق في نفسها فهي لا تتمكن من التحليق لأبعد من ظلامها فمن يراها لا يصدق أن هذه العين النجلاء مطفئة وهذا الرفيف الحاني الذي يجول بحزنها ليس إلا تنفس لوهم حياة قد عز إجتهادها .

وقف ليس بعيدا يجتر أنفا س السكون و يبتسم بأسى يتخاذل الكلام على شفتيه ، شعرت بوجوده قفزت من مكانها تشرع ذراعيها تلتقط أنفاسه تتحسس ملامحه وهو لا يتمكن من مجاراتها يشعر بنتوء يخدش الصدق في أعماقه أن يتركها وحيدة تصارع الظلام ويرتكب ذاته الأنانية ليحملها بضلوع عجاف على الرحيل لا لشيء غير مسوغات رحيل اختمرت بضجرٍ بين قضبان الالتزام .

لم يسأل عذره بقدر ما كان شغف ارتكاب شعور يحرضه على فك قيدٍ فرض عليه اقتسام النور في مقتبل الحياة حيث كان عمره لم يتجاوز السابعة عشرة وهي لم تتجاوز العاشرة لترهنه المسئولية بإمساك يد الظلام بعد وفاة والديه وها هو الآن على مشارف الأربعين ولازال لم يجد طريق الحياة.

تسمر وكأنه يبحث معها عن نفسه الذي أنفصل عنها ذات هروب ربما يجد حضوره بين يديها وهي تتنقل على وجهه كأنها تقرأ ملامحه لتتأكد أنه لازال موجودا إلا أنه كان متوترا إذ كيف يخرج من مأزقه الأنطلوجي من بين أذرعها التي بدت كإخطبوط متعدد الأيدي تتلاحق في اكتشافه وتتفرسه بلهفة حدق تقاعس عن واجبه البصري غارق بالدمع وكأني بها تلوذ به من سبي رحيله ليمسك بيدها ليقيلها من ظلمة العثرات التي باتت تؤرقها إذ لم تكن لتعتادها وقد نشأت بمشيتها المزدوجة معه تحتمي به من السقوط ولقد بدى لها الطريق بعد رحيله بكل جهاته حفرة تخشى الوقوع فيها دونه الذي أدت به صلاتها ومارست الحياة .