• ×
الأربعاء 10 يونيو 2026 | 03-01-2013

أسباب واتجاهات تأثر الشعر الشعبي العماني المعاصر بالشعر النبطي في منطقة الخليج

أسباب واتجاهات تأثر الشعر الشعبي العماني المعاصر بالشعر النبطي في منطقة الخليج
0
0
673
 

المحور : علاقة الشعر الشعبي العماني بالشعر النبطي في الخليج ( تأثيرا وتأثرا )

عنوان الورقة :أسباب واتجاهات تأثر الشعر الشعبي العماني المعاصر بالشعر النبطي في منطقة الخليج

لفهد مبارك الحجري





تأطير عام :

الشاعر العماني قطع الجذور مع الأصل عندما بدأ الاشتغال على القصيدة النبطية المدونة ، ثم عندما قام باستحداث قوالب شعرية ليس لها علاقة بالجذور الشعرية العمانية ، بالتالي فإن عملية قطع الجذور وتشكيل بناء شعري يعني ذلك محاولة توظيف قالب بشكل شعري مغاير وجديد عن الشكل العام للفنون الشعبية التي هي أساس القصيدة الشعبية المنتشرة في عمان . فالفن الأصيل ..أيا كان نوعه ، تحمله سمات التأثير والتأثر، ولا تتخلد أصالة الفن إذا كانت وحيدة ، أي منقطعة الصلات ، لأن الفن نتاج المجتمع والمجتمع امتداد لغيره . فالماضي \"الإنساني متواجد دائما في حاضر الإنسان ، فالتقاليد والعادات والقوانين والعلاقات الاقتصادية والاجتماعية والفنون والملابس والأذواق والمأكل والمشرب واللهجات وخصائص الفكر الإنساني نفسه ليست وليدة الحاضر، ولكنها حصيلة تجارب وخبرات تمثل تراثا، يمكن تتبع أصوله في الماضي القريب أو البعيد ومن خلال هذا التراث تتشكل شخصية الجماعة الإنسانية وتتحدد درجة وعيها الحضاري\". .

يهمنا في هذا الطرح توضيح أسباب تأثر الشعراء العمانيين بقصيدة الشعر النبطي في منطقة الخليج العربي وبالتالي تأثر الشعر المتداول في ساحة الشعر العمانية بالشعر النبطي الذي أصبح ، ظاهريا ، في مرحلة تتفاوت ما بين التقليد والإبداع للشعر النبطي في منطقة الخليج .

الشاعر العماني أخذ يحصر نفسه ضمن إطار إبستمولوجية الشعر النبطي في منطقة الخليج ، وتخلّى عن كثير من معطيات القصيدة العمانية التي أخذت تتقوقع على نفسها من خلال الحفاظ على شكلها ، ومعاملتها معاملة الأثر الأدبي ذي القالب الثابت . وهذا جعل عملية الابتكار والتجديد في شكل هذا الموروث تطاولا على تراكم أجيال من حيث المطالبة بالتغيير ، فهل يمكن بهذه النظرة التي تواطأ فيها حفظة هذا الموروث ضد التجديد . والنتيجة ما نشاهده وما نتلمسه من انحراف اتجاه الشعراء وانجذابهم إلى القصيدة النبطية في منطقة الخليج التي أخذت تمتد وتنتشر في أنحاء جسد الثقافة الشعرية العمانية الآخذة في الضمور عندما انسلخت من إطار هويتها الشعرية .

لا بد من التأكيد على أن النقد والتركيز على قيادة النقّاد لمسألة التأصيل مهمة جدا ، حتى يتسنّى لفئة الشعراء الذين انجذبوا نحو استراتيجية الإعلام في المنطقة المتخذ من الشعر النبطي قاعدة انطلاقة نحو أفق خليجي مشترك وخاصة القصيدة السعودية مساندا لها القصيدة الغنائية ضمن نفس الإطار والقنوات الشعرية المنتشرة فضائيا .

إشكالية الشاعر العماني من خلال هذا التزاحم وهذه المعمعة المتواطئة حتم عليه صعوبة تعاطيه مع موروثه الشعري أولا وتداوله لمفردات القصيدة النبطية ثانية . فالإعلام الخليجي وخاصة المسابقات الإعلامية في الآونة الأخيرة أخذت تتمفصل حول اشتراكية الشعر من منطلق النشر اللاشعوري للشعر النبطي وتم إدراج الشاعر العماني ضمن الإطار نفسه ، ولم يدرك إشكالية الانسلاخ من هوية الشعر العماني اتكاءً على :-

1- الشهرة التي سوف يكتسبها الشاعر
2- المردود المادي على المدى القريب والبعيد
3- الحالة النفسية في غمرة الانتشار .

كل هذا هيأ الشاعر العماني ليتسربل القصيدة النبطية وطالبه بأن يقف في غمرة الشوق انتصارا لها. وما أبعده من هدف يحقق ذاتيا الانتصار للشاعر ، ويبعده عن تأصيل الشعر العماني .

لكن لو نظرنا إلى حالة الأوضاع حاليا سوف نجد أن الشعر العماني متخبط في معمعة هذا التأثر ، وثانيا اعتكافه على مزاولة القصيدة النبطية من خلال :

- التحقيق الذاتي
- الابتهاج النفسي
- الانتشار السريع
- الربح المادي

هذا الابتهاج والنجاح الإعلامي خليجيا للشاعر العماني جعل منه ناشرا للقصيدة النبطية على المستوى المحلي ، وضاربا عرض الحائط بالقصيدة الشعبية العمانية القديمة ، وهذا ( الهوس النفسي ) لم يجعله يفكر في تطوير وتجديد الشكل لهذا الموروث الذي تعاطى معه آباؤه وأجداده رغم أنه الأقرب . ولكن يجب وضع بغين الاعتبار الإعلام الخليجي الذي كان حافزا للشاعر العماني بالانسلاخ من هويته في مواطن كثيرة ، كما أن تحقيق الانتشار والربح المادي أكد ما لنا من قول .

هنا يجب أن نقف في هذه الورقة عند الأسباب الحقيقية التي أخذت تتحرك بالممكن والمتاح من فهم الأيديولوجيا التي نجحت في تعطيل ممارسة الموروث وتطويره من حيثيات المكان والثقافة التي ابتعد عنها الشاعر الشعبي المعاصر ، وإشكالية التأويل اعتمادا على الجانب النفسي الذي تعاطى مع القصيدة النبطية الخليجية .

عوامل تأثر الشعر الشعبي العماني المعاصر بالشعر النبطي في منطقة الخليج :-

يقول بلوم : ( يجب عدم اختزال إشكاليات التأثر إلى مجرد بحث عن المصدر ، أو دراسة تاريخ الأفكار ، أو تنسيق الصور في بنية . التأثر الشعري ، سوف أدعوه مراراً بالتكتم الشعري ، هو دراسة دورة الحياة الشعرية للشاعر كشاعر . وعندما يضع النقد في حسبانه دراسة السياق الذي تنفصل فيه هذه فإنه سوف يجد نفسه مجبرا في الآن ذاته على تناول علاقات الشاعر مع شعراء آخرين ودراستها كحالة أقرب إلى تلك التي يسميها فرويد ب (( رومانس العائلة )) أي دراستها كفصول في تاريخ التنقيحية الحديثة ..) ، إن ما قاله بلوم ينطبق على ما يمكن أن نسميه المرحلة المتقدمة التي أخذت تتحرك بمعرفة تتكئ على منهجية ومدرسة يمكنها أن تضع لنفسها موضعا بين ما يطرح كتوجه يؤخذ به في فلسفة الأدب من حيث المسيرة التاريخية التي أثرت بكل معطياتها على تشكيل توجهات أي مدرسة ، ولكن في حالة الشعر الشعبي العماني المعاصر الذي :-

1- ما زال حتى اللحظة يعبر عن التراكم المتأثر بشكل كبير خارج المنظومة الشعرية الشعبية العمانية .
2- يغيّب منهجية النقد والاعتماد على مقاربات أو انطباعات من قبل شعراء في الساحة الشعرية العمانية اهتموا بهذه المقاربات من منظور توجهاتهم كشعراء التي يعتبرونها المؤسس والمقياس الذي يمثل مرحلة ونقلة جديدة في الشعر العماني .
3- يغيّب الهمّ الأدبي لتأسيس مدرسة عمانية شعرية ،وإصرار كثير من الشعراء على القصيدة الخليجية المشتركة .
4- ينزع إلى الاستقلالية وخلق القطيعة مع الموروث الشعبي .

يمكن اعتبار ما قاله بلوم هو مرحلة متقدمة تحتاج إلى عمل مكثف من قبل النقد وتكوينه لمدرسة يمكنها أن تعبر عما هو حادث ، كما يمكنها من تكوين خطاب نقدي تتكئ فيه على آليات معينة يمكن أن تترجم خطواته بتأويلات تتحرك ضمن أهدافه ومبتغاه وخططه التي من خلالها تعبر عن أيديولوجياته . الحال في الساحة الشعرية العمانية يعتبر مرحلة متأخرة جدا ولم تصل بعد إلى تكوين منهج شعري وبالتالي مدرسة شعرية لها خصوصيتها التي تعبر عما يدور في جسد الشعر الشعبي من تحركات وخلق علاقات ودراسة لنقاط الاختلاف والتشابه وقياس تدرجاته في التشكلّ تاريخيا وبيان ملامحه من خلال الرؤية العامة لأهدافه واستقلاليته .. كل هذا لم يتكون ولم ينشأ على مستوى الشعر الشعبي المعاصر في عمان .

إذن ، وبناء على ما سبق ، ما هي العوامل التي وقفت خلف الوضع الراهن للشعر الشعبي العماني المعاصر ، وما هي جهات التأثر كمصدر يرفد منه الشعراء العمانيون ؟، ولماذا ابتعد الشعراء في الوقت الحالي عن الموروث والفنون الشعبية الشعرية التي أصبحت بقوالبها الثابتة بعيدة عن التجديد في الشكل الذي يحفظ لها امتداد جذورها وبالتالي تُحفظ هوية الشعر العماني ؟ ولماذا ظل كثير من الشعراء العمانيين اليوم في قبضة تقليد الشعر النبطي في منطقة الخليج ؟ . كل هذه الأسئلة تحتاج إلى من يجد لها إجابات مقنعة وموضوعية حتى يتسنّى لنا الوقوف على أهم الأسباب التي جعلت الشعر في عمان ينسلخ من هويته ـ تاريخيا وفنيا ـ في مواطن كثيرة أو بتعبير آخر يبتعد عن بنية الشعر الشعبي القديم المتكئ على الفنون الشعبية في عمان .

مرحلة التحول إلى الشعر النبطي :

لكن في البداية لا بد من التوضيح أن الشعر الشعبي العماني هو شعر فنون شعبية غنائية ، إذ كل بناء في الشعر الشعبي محال إلى أحد الفنون الشعبية الغنائية نسائية كانت أم رجالية ، ولا توجد قصيدة منفصلة عن الفنون إلا بما يتعلق بالشعراء المحدثين عندما أخذوا بتقليد تفعيلات الموال والمسبع والمثمون والمخموس .. إذ أنها ، وكما هو معروف ليست عمانية ، بمعنى أنها ليست عمانية المنشأ أو أصيلة بالمكان . حيث أصبحت فيما بعد ضمن ثقافة المكان وبالتقادم تم تأصيلها ..

ومن هنا يتأسس الفن ويكتسب ملامحه المحلية وتتحدد خصوصيته على مر الأيام والليالي ، فتبرز شخصيته للعيان بهوية فنية وطنية راسخة لا تزيلها العوارض .

وإذا ما تكلمنا عن الموّال سوف نجد أنه فن شجن وذكرى وحنين ، وبالتالي فإن رسالة فنّ الموّال تميل إلى الحزن ، لذلك طبيعة المجتمع العماني ـ قديما ـ طبيعة سفريّة ، بمعنى أن القائمين على البيوت ـ أرباب ـ البيوت أثناء وجودهم خارج عمان يتولد لديهم حنين لبيوتهم ، سواء من طرف الرجال أو النساء ، وعندما عاد المسافرون إلى البلد جلبوا معهم هذا النوع من الفنون ، وانتقل تلقائيا إلى الشرائح المجتمعية الأخرى ، حيث تم استلطافه . ولأن الذاكرة تحفظ أكثر مما أنها تبتكر ، حفظت الشعر ، ومن كان لديه موهبة الشعر ابتكر اللغة بناءً على الشكل شفهيا وليس كتابيا . ولكن لا يمكن لمجرد انتشار هذا الفن نتيجة استلطافه أن يقال عنه أنه أصيل في المكان ، حيث هذه إشكالية بحدّ ذاتها ، لأنه لا توجد مؤشرات نقدية مباشر تقول أن هذا الفن هو فنّ عماني أصيل .
بشكل أساسي فإن الشعر الشعبي قائم على فنون صوتيّة ، ذلك لأن الشعر أساسا ذاكرة صوتية أو حالة صوتية .

التحولات التاريخية بداية مع سبعينيات القرن المنصرم ومحاولة الأدباء والمثقفين الإطلاع على كل ما هو خارجي بقصد التجديد ورسم ملامح مرحلة جديدة مختلفة الأمر الذي أدى إلى التأثر وبشكل كبير بكل ما هو خارج إطار المنظومة التقليدية في ذلك الوقت ، واستمر ذلك الوضع فأوجد مجموعة من المثقفين الذين تبنوا بعد مرحلة التأثر الشعر الشعبي واستمر هذا التوجّه يأخذ تأويلاته من قبل الشعراء حتى وصلنا إلى ما هو حاضر اليوم وكان للإعلام في الدول المجاورة الأثر الأكبر في تأكيد تأثير التوجه وما صاحبه من اهتمام كبير للشعر الشعبي في المنطقة ..

حاجز التجديد في شكل الشعر الشعبي القديم :

الشعراء الشباب الذين يكتبون اليوم النصوص الشعرية يكتبونها من واقع فنون صوتية خليجية وليست عمانية ، بحيث لا وجود لمن يكتب قصيدة على فن الرزحة أو اليامال أو غيرها من الفنون الشعبية ككتابات بحيث أنها تتأسس كمدرسة ، والسبب في ذلك راجع إلى عدم إعطاء هذا الموضوع أهمية ، إذ ساد معتقد بأن هذه الفنون الشعبية تم تكريسها بشكل أو بآخر لتكون حافظة لشكل معين من الشعر ، شكل موجود في ذاكرة المجتمع ، ومن الصعوبة الاقتراب منه إذا ما كانت هنالك محاولات لكتابة قصيدة حداثية على وزن هذه الفنون ، كمحاولة للتجديد في الشكل ، سوف يتحرك من هم بمثابة الحفظة لهذه الفنون ليقال أن شروط كتابة قصيدة الرزحة (مثالا إذا ما حاول أحد الشعراء المعاصرين التجديد في الشكل ) على الشكل الكلاسيكي لا يمكن أن يتكرس على شكل القصيدة الحديثة ، وهذا ما يوجد في الواقع ، لذلك وحتى يكون التجديد حاضرا لابد من تجاوز بعض الأشياء الكلاسيكية كما أنه لا توجد مغامرة للكتابة على أحد الفنون الشعرية الشعبية المحلية ، ولأن ذاكرة الشعر الحالية هي ذاكرة خليجية إذن يتكون لدينا تراكم لذاكرة فنون شعبية خليجية وليست ذاكرة فنون شعبية عمانية محلية ، والنتيجة عندما تُكتب القصيدة تُكتَب وهي متأثرة .

جدلية التيارين القديم والمعاصر :

القطيعة الحاصلة اليوم بين التيار القديم والتيار المعاصر بحاجة إلى تحليل مواقف كل من هذين التيارين ، وهذا مهم جدا خاصة أن هذه القطيعة الحاصلة بينهما أدت إلى أن يتبنى التيار المعاصر اتجاها مغايرا في تبنيه للقصيدة الشعبية وذلك من حيث التركيز على :

1- اللغة التي تشكل القصيدة
2- الصورة الشعرية

بمعنى أن رسالة التيار المعاصر للتيار القديم أن التجديد في الشكل لم تكن من همومه ، ولم تكن مدرجة من ضمن أولوياته ، وقد استطاع أن يزيد من حدة هذه القطيعة عندما بدأ يقّلد ما وصلت إليه القصيدة الشعبية الخليجية وخاصة السعودية والتي احتفت خلال الأربعين السنة الماضية بما يمكن أن نسميه ( قصيدة الصورة واللغة المبتكرة ) ، وكما أن هنالك تقليد لهذه القصيدة أيضا كانت هنالك محاولات للابتكار والتجديد في اللغة والصورة الشعرية وقد نجح كثير من الشعراء العمانيين في ذلك والمتتبع للساحة الشعرية سوف يلحظ ذلك . وهنا لا بد من توضيح أيضا أن صفحات الشعر الشعبي في الصحف المحلية تبنّت توجهات هذا التيار ، التيار المعاصر ، الأمر الذي ساعد وبشكل كبير في انتشارها بتقليدها وبإبداعها.

أما التيار القديم فلم يكن على وفاق مع الآخر الذي ، ومن وجهة نظر التيار القديم ، طمس هوية الشعر الشعبي العماني وقلّد ما هو خارج البلد من توجهات ، ولذلك ظلت هذه القطيعة مستمرة حتى اليوم .

التيار الوسط لم يرغب في خلق قطيعة مع التيار القديم ، كما أنه في نفس الوقت لم يشأ الانعزال عما هو حاصل من تجديد وابتكار في الصورة الشعرية وفي اللغة ، الأمر الذي جعله على وفاق مع التيارين .

من خلال قيامنا بتحليل لما هو واقع من جدلية بين التيارين ، القديم والمعاصر ، استنتجنا أن :

- التيار المعاصر ينظر في نفسه أنه يمثل مرحلة جديدة تاريخية ضمن منظومة القصيدة الشعبية ، وأن التيار القديم له روّاده وحضوره في السابق كما له هو كتيار معاصر توجهاته وحضوره ، وهنا نذهب إلى إشكالية التكافؤ التي يجد فيها التيار المعاصر نفسه رائداً لهذه المرحلة الجديدة التي تتطلع إلى خلق جيل جديد يحاول أن يبتكر ويصنع قصيدة ذات ملامح عمانية ـ خليجية ، تتواصل مع المنطقة بأسرها وتنفتح على قاموس شعري يطمح إلى أن يكون مشتركاً يتم تداوله في الساحة الشعرية الخليجية بكل حرية ، كما أن نظرة هذا التيار إلى أن الأجدر من يأتي بالابتكار والجديد في الصورة الشعرية واللغة . لذلك فإن الإبستمولوجيا التي يشتغل عليها التيار المعاصر تتمفصل حول إشكالية الذاتية أو الانفصال للوصول إلى تكافؤ بين التيارين بحيث أن يكون الماضي مرحلة مضت واليوم مرحلة تأسيسية للحاضر جديدة تكافئ الماضي في إنتاج الشعر ، وهذا ما أدى إلى انهيار عامل الثقة في الشعر الشعبي القديم .




كل هذا يؤكده :

ـ الانفتاح الحاصل على الشعر الشعبي في منطقة الخليج في الفترة الحالية بشكل مكثف من خلال الإعلام والمسابقات في القنوات الفضائية والمواقع الإلكترونية الأدبية ، وعملية بناء التراكم الذي أثر على شكل القصيدة ولغتها وصورها .

ـ توجيه المبتدئين في كتابة الشعر إلى شعراء غير عمانيين ، كأنموذج ، لأن ذلك الموجه قد تأثر مسبقا بهذا الشعر وكذلك لا بد أن يطرح عليه شعراء عمانيين في نفس الوقت وذلك لإحداث موازنة وقدرة الشاعر المبتدئ من فهم توجه الشعراء وتأثرهم .. هنا الشاعر الصاعد لم يجد مرجعيات تتفق وتتصالح مع الشعراء العمانيين كمرجع ، حيث نجد كيفية مساهمة شاعر بتشكيل شاعر آخر ( التأثر به ).


الاستقلالية في كتابة النصّ وتأثير المحيط الشعري:

نتيجة لهذا التأثر سوف نجد الشاعر العماني لا يوجد لديه الوعي بالاستقلالية في كتابة النص ، الأمر الذي يجعله يستسلم ل :-
- الضغط الذي يمارسه المتلقي / الجمهور على الشاعر والذي بدوره ـ المتلقي ـ متأثر كذلك بالشعر في منطقة الخليج ومعجب به ، حيث هذا الضغط جعل الشعراء الشباب إلى المضي قدما في تناول القصيدة في المنطقة تلبية لرغبات الجمهور بحكم أنه ـ الشاعر العماني ـ محكوم بمتلقٍ يحاول أن يرضي طموحه ويصنع لنفسه ( جمهورا ) يتجاوب والتعاطي مع ما يكتبه ، حيث لم تكن الظروف مهيأة للشاعر العماني بأن يتلقى الموروث الشعبي بشكل جيد ويتعاطى معه ضمن إطار المطارحات والدراسات بشكل كافٍ ، وهنا يكون التركيز على الشعراء الشباب الذين سحبهم المتلقي إلى جغرافية تختلف تضاريسها الثقافية والشعرية عما هو موجود ضمن إطار الجغرافيا بكل عناصرها وعلاقاتها . أصبح الشاعر العماني يتلقف تأثيرات مارقة وخارج إطار جغرافية المكان ، وهنا يكون من المهم الإطلاع والاستفادة من خبرات الشعر خارج المكان ولكن ليس لدرجة تجعل من الشاعر ينسلخ من الهوية ( هوية الشعر العماني ) .. وبالتالي قد يكون للجمهور وجه مؤثر سلبا عندما يمارس ضغطا على الشاعر يتسم ب ( التقليد ) حتى وقت متأخر من المسيرة الشعرية ( للشاعر )، وهنا تكمن خطورة المتلقي ( الجمهور ) ومن الصعوبة أن يدرك ـ المتلقي ـ هذا الوضع ، فالذي يتورط هنا هو الشاعر ، حيث يصبح مسؤولا عما يكتبه ، فعندما يأتي النقد يكشف هذا التأثر العميق لدرجة ( التقليد ) ويبيّن ملابسات وإشكاليات هذا التوجه الذي كان للجمهور دور كبير في حدوثه ، لذلك الإشكالية تحدث عندما لا يدرك الشاعر ذلك ويتماهى مع الوضع ممتطيا الكتابة في حالة اللاوعي .

إذن وفي هذه الحالة لا بدّ من دراسة المحيط الشعري وكيفية ممارسته الضغوط على الشاعر ، إذ نجد هذا الشاعر مرتبط بمتلقٍ وشعراء من نفس البيئة وشعراء خارج إطار المكان وإعلام يشتغل على قضية النشر والانتشار للشعر والشاعر على التوالي وتكريس المسابقات الداخلية والخارجية لهذا النشر والانتشار ، وتوجهات المحكمين في هذه المسابقات وما يحملونه من أيديولوجيات تنتظر التأويل المناسب من لدن الشاعر ورغبة بعض الشعراء كعامل نفسي الانتشار السريع لكتاباتهم .. كل هذا وغيره جعل الشاعر يرتبط ارتباطا وثيقا بما يتم تداوله في الساحة الشعرية الخليجية وما ارتبط بها من تأثيرات في المكان ، بمعنى ، أن هذه الأوضاع زرعت في الشاعر تأسيس كتابته للنصوص ضمن إطار المُتَدَاول ، خاصة بعد أن يكون الشاعر قد وصل إلى مرحلة تاريخية من الانتشار ، يكون معها من الصعوبة الاستقلالية .

ولكن ، هل يمكن للشاعر أن يكون مستقلا في كتاباته دون تدخل أي مؤثر، أو بمعنى آخر ، هل يمكنه أن يؤسس لنفسه مدرسة لم تتأثر أبدا بأي كتابة ..؟ ، بطبيعة الحال إذا ما تتبعنا كل الأعمال التي كُتبت على مستوى الشعر الشعبي في الجزيرة العربية سوف نجد أنها متأثرة إما بما سبقها أو بما عاصرها أو الاثنين معا .

الإحالات والهوامش

1- يمكن الاستفادة هنا من موضوع ( المأثور الموسيقي العُماني (1) ) للباحث جمعة بن خميس الشيدي والذي جاء في ملحق مجلس الشعر الشعبي الصادر عن جريدة الوطن ، العدد السابع الأحد 6 يونيو 2010 الصفحة 17 .

2- علي محسن آل حفيظ ، الفنون التقليدية في محافظة ظفار ، مجلة نزوى ، العدد الخامس . يناير 1996م .ص1 .
3- هارولد بلوم ، قلق التأثر ، ترجمة عابد إسماعيل ، دار الكنوز الأدبية ، لبنان 1998م .
4- علي محسن آل حفيظ ، الفنون التقليدية في محافظة ظفار ، مجلة نزوى ، العدد الخامس . يناير 1996م . ص1 .
5- في ملحق مجلس الشعر الشعبي الشهري بجريدة الوطن العدد السادس الصفحة 4 ، الموافق 2 / مايو / 2010 ، كتب محمد مستهيل المعشني موضوعا بعنوان : الموروث الشعبي ودوره في الحفاظ على الذاكرة . موضحا في بدايته من الفقرة الثانية أهمية التغير والتطور في ثقافات الشعوب.

المصادر والمراجع :

- هارولد بلوم ، قلق التأثر ، ترجمة عابد إسماعيل ، دار الكنوز الأدبية ، لبنان 1998م .
- سعد الصويان ، الشعر النبطي ، ذائقة الشعب وسلطة النص ، المجمع الثقافي ، ط1 ، 2005م .
- أحمد أنيس الحسون ، نظرية التناص في النقد الأدبي المعاصر ، ملتقى الأدباء والمبدعين العرب . http://www.almolltaqa.com/vb/showthread.php?p=213416#post213416
- عبد الهادي عبد الرحمن ، سلطة النصّ ، سنا للنشر - مؤسسة الانتشار العربي ، ط2 1998 .

المجلات والصحف والمقابلات :

- علي محسن آل حفيظ ، الفنون التقليدية في محافظة ظفار ، مجلة نزوى ، العدد الخامس . يناير 1996م .ص1 .
- عبدالله سالم الشعيبي ( مدير تحرير جريدة الزمن سابقا ) ، مقابلة . الجمعة 3 / 12/ 2010م .
- جريدة عمان العدد (10780) 7 ديسمبر 2010م ، المؤتمر الصحفي حول مهرجان الشعر الشعبي مع مدير عام الآداب والفنون بوزارة التراث والثقافة : هلال العامري.

يتبع في العدد (20)