• ×
الأربعاء 13 مايو 2026 | 03-01-2013

القصة القصيرة: نثار المطر للكاتبة رحمة المغيزوي

القصة القصيرة: نثار المطر للكاتبة رحمة المغيزوي
0
0
814
 نثار المطر

للكاتبة رحمة المغيزوي

الفصل الأول

(1)


القصص المبعثرة لا تمنحك بداية موفقة أو كاملة ، تشعرك أنها تطل برأسها من كل جهة وتسكن كل زاوية ، تغريك أحيانا على أن تبدأ بسؤال كبير أو بحادثة تبدو مؤثرة ولكنها في نهاية تدخلك في متاهة لعبة القط والفأر تقع في شركها دون يكون هنالك مخرجا تستطيع الإفلات منه ، كنت أنظر إلى الجميع عندما تناهت إلى ذهني أن أبادر إلى الثرثرة المستمرة حول ما حدث وما يمكن أن يحدث في هذه الأسرة تحديدا ، ولكن التشابك الذي غمر داخلي دفعني إلى النجوم ، الفصوص المتلألئة في المساء كانت آسرة في ذهن جدتي التي منتني ذات ليلة وقبل أن تغادر هذا العالم أن تضع عقدا منها حول رقبتي ، وقبل أن أكمل العاشرة كنت أحلم دائما بتلك النجوم ، كبيرة ،جميلة ومعلقة حول رقبتي ، ولكن جدتي أخلفت الوعد الذي كان بيننا ، وماتت وأنا أرتدي ملابس العيد ، كانت امرأة من ذهب كما وصفتها \" خالتي فضيلة \" ، و حين مصت شفتيها المجعدتين بمرارة غمرت الحاضرين معنا في تلك الأيام أكملت

- بس خسارة الذهب ما يخلف غير الحديد اللي يذبح .

لم تسمح لي تلك السنوات بالنظر إلا للأيام ، التي أصبحت في حالة من العشوائية التامة وها أنا أحاول رتق الشرخ في ساعاتها بخيط غير متسق من الذكريات ، كنت أعرف أن الحكايات تبدأ هنا بضجيج غير مرتفع ولكنها تنتهي في الغرف المظلمة حيث يمنع أن ندخل أنوفنا رؤوسنا الصغيرة ، كل الأشياء تحاك أمام الصغار ولكنها تحجب بثوب سميك عندما يتلصصون عليها ليكتشفوا السر ، يسمعون صوتا غليظا يقول لهم بصرامة
- قفوا مكانكم .

و عندما أقرأ الآن أن مرحلة الطفولة هي حياة البراءة واللعب والتمتع بالحياة أجد أن طفولتي كانت مرحلة ضبابية ، مهملة ، ولا أستطيع الإمساك بها بين يدي ، أو نبشها بعصا صغيرة لأعرف ماذا حدث تحديدا ، أفهم فقط أن تلك المرحلة كانت أشبه بآلة العصر التي تهرس الأشياء بين شفراتها لتخرج سائلا لا يشبه ما دخل فيها قبلا ولكنه يحمل نكهة منه ، وأن ما بعد تلك المرحلة هو تكثيف ذلك السائل مضافا إليه التجارب التي لا تعفينا الحياة منا أبدا ، عندما نتخطى تلك المرحلة يحدث أننا نكتشف أنا نوعا من التسلط قد مورس علينا عن طيب خاطر منا ، وأن عددا ليس بالقليل من المواقف أثبتنا فيه أن صفة الغباء كانت ترافقنا مع إحساس دائم بالخوف و أننا عندما نغادر المرحلة سننسلخ من طبيعتنا البشرية الصحيحة ونصبح ذلك الإنسان الذي خلق والأخطاء والرذائل قريبة منه وتسري على بعد ضيق من دمه .

يضيق عقلي كثيرا ، أعرف أني أ تتبع العروق لأصل إلى الجذور التي لا تداوى ، أرتد في كل خطوة أقوم بها إلى الماضي ، الحفرة التي نراكم فيها جلودنا البالية ، كل أمر يستعصى علينا أو نخطئ فيه نتركه إلى الزمن ، الأيام ممسحة قادرة على كنس الغبار الذي علق في ذبل أعمارنا ، والارتداد إلى الماضي كان سمة في عائلتنا ، تجسده أكثر من غيرها جدتي ، حيث تربط الأحداث كلها بالسنوات الموغرة في القدم و التي كثيرا ما حكتها باعتزاز يخفي وأكثر مما يظهر التهكم -الذي كانت تمارسه كعادة ورثها أخي الصغير- على بعض الأمور التي ترق لها ، قالت مرة وهي تجلس على التراب الناعم في فناء الدار ، و تضع رأسي ورأس أخي أحمد على فخذيها الناحلين أن جدنا القديم الذي وجد نفسه يتيما ومعدما من كل شيء يجعله معلقا بالحياة وعبرت عن ذلك بقولها
- كان الدنيا معه مثل الفرس اللي ما يعجبها شيء .
في بداية شبابه وعندما حرك جسد الحياة وأراد أن تريه وجهها لم يجد إلا ظهرا قاسيا من أي مشاعر موجها إليه ، كان ذلك الجد - عزما على أن يوجد للقبيلة الملتصقة باسمه موضع قدم بين كم القبائل التي وجد الآخرون يعتزون بها ، وكادت جدتي أن ترسم صورة بملأ الفضاء عندما قالت أن حكمة الرجل الحازمة في ادخار المال القليل و السنوات العجاف التي مرت به كانت كفيلة بأن تحول ذلك الرجل إلى صخر لا يلين ،من المال القليل اشترى بعض رؤوس الماعز ، وبعد عام تزوج ـ مر عام آخر حتى قرر الزواج من امرأة أخرى ، كانت فكرة زيادة عدد أبائه تسيطر ، ابتنى للزوجتين عشة من سعف النخيل وعلمهما أن تتحملا شظف حياته أصبح يزيد كل عام فردين جديدين في القبيلة التي بدأت تصبح قرية لا ينقطع فيها مواء الأطفال ، وعزز ذلك كله بذلك الطموح المتقد نحو غد سيكون متألقا وبراقا لتلك الأسرة ، ذلك الرجل نفسه لم يجرب أن ينام بكامل قواه ، حتى عندما ينام جسده يبقى روحه وقلبه متيقظان تجوسان البلاد ، تبحثان دون كلل عن المواضع التي تسكن روحه ، وتوقف ذلك البحث اللاهث عندما اشترى قطعة أرض وبنى لتلك الأسرة بيتا من الطين وعلى يد أبنائه أعطته السماء وجهها الباسم وتأصلت في نفسه حب أن يساعد أولئك الذين كانت الأرض ما زالت تعطيهم ظهرها دون أي التفاتة إليهم

- من صلب ذاك الرجل وجد العرق الطيب ولكن الأيام أفسدته .

لم أشأ أن أسأل جدتي من أي بئر جاءت الحكايات الأخرى؟ ،كيف قد أبي من الحجر الصلد إذا كان منبعه من ذلك الرجل ؟!، ولماذا رحل عمي \" سعد \" وهو لا يحمل من البيت إلا الملابس الهزيلة التي يرتديها ؟!،وماذا عن عمتي \" حمدة \" تلك الوردة التي كثيرا ما احتضنها كل إنسان رأى جمال الطفولة الصرف في عينيها ؟! ، ثم ماذا عني ؟ وعن \"حليمة \" ، و \"أحمد \" و\" صفية \" وبقيت بذر أبي من أبناء نعرفهم تمام المعرفة ، وآخرون نرى الشبه الواضح في صفحة وجوههم وطريقة مشية ، والكبرياء الذي نوجس خيفة منه كلما رأيناه يسير على هامة أحد الشباب ، فنعرف بيننا وبين أنفسنا أنه منا وأننا لو اتسعت بنا الأرض عن مساحتها الحالية عشرة مرات لعرفنا بعضنا ولسرنا كالحشرات الصغيرة التي تحركها الغريزة نحو ذلك الوكر الذي يسمى أبي .

حتى في الأحلام لم أرد أن أرى خيال جدتي باكيا أو متألما ، كنت أشعر أن روحها مازالت تحوم حول ذكرياتي وأن مجرد السؤال يفسد بشكل مروع تلك أكثر اللحظات التي وجدت فيها نفسي أشعر بالحنان والدفء الغربيين ،وفي الوقت الحالي وأنا بعمر يشارف على سن الثلاثين لم أجد تلك اللحظات في حتى حضن زوجي، كانت الأشياء في زمنها تمحو أي أثر لذكرى غير سارة ، وتبقينا متيقظين لحسابات لا تنتهي عما يمكن أن يحدث وكيف سيحدث .

كيف تكتب الحكاية إذا كانت تمس حتى الروح فيك ؟!بأي ماء تنضد الكلمات إذا كنت مشبعا بفراغات تكبر دائما وأنت ترى أن أفراد الأسرة التي تنتهي نسبا إليها مبعثرون في اتجاه ، يطرق ألف سؤال قلبك قبل عقلك أو يتحد ذلك السؤال فيهما دون أن تجد الحيز الممكن للفصل بينهما ، في تلك اللحظة أنت لا تملك أن تكون قادرا الإجابة أو حتى مجرد البحث عنها ، للحظة تبقى مشلولا وليس لديك إمكانيات البوح ، النسب ذلك الالتصاق الجبري الذي يرافقك إلى ما قبل الصرخة الأولى التي تعبر دون أن يحق لك أن تتفرس مليا في الوجوه التي سترافق في رحلة حياتك ، أتصور أننا نحن البشر كالشموع التي توقد ببطيء مؤلم دون أن يكون لنا حق الاختيار متى نشتعل ومتى يجب أن نطفأ . لا أنكر أنني شعرت براحة تشبه الهواء البارد عندما لفظ أبي الكلمة الأخيرة التي احتفظ بها اتجاهي واتجاه أخوتي وقال لأمي
- أنا أتبرأ منك ومن أولادك .

كنت قد أرخت ذلك الحدث في رسالتي الثالثة لحمدان ، وضعت الرسالة التي غمرتها من زجاجة العطر الرخيص الذي احتفظت به ومن ثم وضعتها حتى رأسي ، الرسالة كان مبهمة لم أكن أعرف ما يعني ذلك الشعور ، لم أسمع أحدا يسميه الحب أو أي لفظ آخر ، لم أشاهد أحد ما يجربه ، أو يحدثني عن متعته ، أنه شعور يجعلك خفيفا ودون زوائد ،ملتصقا بالروح بشخص آخر ، تحلم معه ، تتشاطر معه جميع اللحظات ، شعورا جربت جزء منه وأنا لم أر \" حمدان \" في الحي ولكني سمعت عنه كثيرا ، مرت سمعت صوته في الإذاعة يقرأ شعرا وبعدها بدأ سري في طفولتي المتأخرة كنت رسائلي إليه تحت وسادتي فيما الآخرون في البيت مشغولون بالسهر على الضيوف الذين لا ينقطعون على مجلس جدي . الخيالات الكثيرة لم تنقطع عني اتجاه حمدان حتى الآن ،رغم أني كبرت وأدركت أن ذلك الذي كنت أكنه له ليس حبا كاملا ، إلا أنني - ظللت كلما تذكرت أسماء الرجال الذين مروا بحياتي أسميه علاقتي بحمدان حبي الأول ، و الحب الأول يظللنا بظلال حتى وأن ابتعدت الأيام ، نظل نحتفظ به كسر جميل أخرجنا من المنطقة الضبابية التي كنا نعيشها إلى منطقة الاكتشاف المحرر لأنفسنا وأجسادنا ، كنت قد أخذت قطعة من \" السخام \" وكتبت أسمه على الجدار لم يسألني أحد عن معنى الاسم ولكني بعد فترة لم أجد الرسائل المعطرة في حشوة وسادتي ، شعرت بخوف دفعني إلى البحث في الأوقات التي أكون فيها بعيدة عن أنظار الجميع ، وكرد طفولي بحت أصبحت أكثر من الصلاة وحتى في غير أوقاتها ، و حتى أحظى بالستر من الله ولا يفتضح أمري وخاصة أمام جدي ، حتى أكون في وأكون في مأمن من أي عقاب منتظر ، ولم أعرف مصير رسائلي الصغيرة لحمدان إلا عندما أخبرتني أمي لاحقا أنها وجدت أوراقا مبعثرة وأنها رمت بها باعتبارها أنها أوراق غير مهمة وأني نسيتها !

الأوراق متنفس الاختناقات كلها في حياتي ، كنت أعتبرها الصديقة التي أحيك على وجهها ما يدور في قلبي ، بيننا دائما علاقة لا تقبل الأسرار ، عندما أعود إلى نفسي الآن أجزم أنني كنت سأجن في إحدى تلك المحطات إن فقدت قدرتي على التواصل مع الورق مع كنا نشكل عالما لا يهدأ ، في اليوم الذي ضرب فيه أبي \"أحمد \" وكثر الصراخ ، دون إرادة كاملة مني وقفت في وجه أبي وقلت وأنا أرتجف من الإشعاع الذي يخرج من عينيه

- أنت مالك خص فينا .

كادت يده أن تسقط على خدي لولا أن عصا جدي الرفيعة أمامه ، وتكلم

- أنت تخلي عقلك بعقل الصغار .

فيتلك اللحظة لم أكن صغيرة ، شعرت أن ماردا يسكنني ، وأن ذلك المارد شبيه بالمرأة التي رأيتها في الحلم في تلك الليلة ، شعرت أنها تمسك بيدي وتأخذني إلى سلم يصعد إلى السماء ، كلما شعرت بالإرهاق وتوقفت عند درجة معينة تشد على يدي وتصعد إلى الأعلى في كل مرة كانت تفتح بابا تريني أحدا من أهلي ثم تصعد إلى أن أرتني وجهها الأبيض الجميل ، عندها توقف الحلم ، كان والدي ما يزال واقفا هنالك ينظر بإمعان إلى تكويني الجسدي الضئيل وكأنه يكتشف المرأة الوحيدة التي أبقاها بعيدة عن حياته ، ولم يعترف بوجودها حتى ذلك اليوم ، النطفة التي تكونت في ليلة نزوة نسيها بعد برهة من الزمن ، الآن بدأت تتحرك وتتكلم ، هز رأسه وكأنه رأى تجسيد للكابوس الذي كان غالبا ما يجعلنا ننهض من النوم العميق ويملأ المكان بالهذيان والكلام الذي صار مبهما ولأنه لم يفسر بكلمات كبيرة ، كان يبدأ بالهمهمة وينتهي بالصمت المطبق والذي غالبا ما يكون خنجرا مطبقا مغروسا في ذاكرة النسيان ، ولا تعود الأمور إلى نصابها إلا إذا شرب من طاسه ماء مقروء عليها آيات من القرآن .
ومن نثار كل الحكايات هنا كنت أخاف ، أجرب ذلك الشعور كحز في داخلي ، كنت أخاف من الموت ومن الأشباح ومن الجنية الصغيرة التي أخبرتني عنها جدتي من أنها تستوطن كل بيت ، وتعيش فيه وتكبر مع عمر أول مولودة أنثى تولد فيه ومن ثم تتزوج ويكون لها أبناء طبق الأصل لأولئك الذين يعيشون في البيت من البشر ، كنت أخاف أن أجد قرينتي ذات يوم فأكتشف داخلي المدمى دائما ،لذا كانت جدتي تقوم بذبح طير من الدجاج وتجعل الدم يسيل في تربة دارنا في كل يوم جمعة لترضي تلك الجنية وتشفع ذلك كله بكلمات تنطقها هامسة ، كنت أخاف البحر الذين أخذ جارنا \" عبدالله ولد العبد \" ذات ليلة عاصفة وأعاده بعد ثلاثة أيام وقد نهشت الأسماك ورطوبة الماء إحدى عينتيه وكشطت طبقة اللحم في وجهه .
وأنا ابنة الثامنة كنت أخاف أن تتركني أمي كنت أشم دائما رائحة الكلام الذي يروح ويجيء في ردهات البيت الكبير كريح غير طيبة حول الأزمات التي تمر بزواج أمي بأبي ، المرأة التي لا تجمل اسم قبيلة العائلة ، الخوف في البيت الكبير كان يدور دائما من الأولاد الذين لن يحملوا القبيلة ظهرا وبطن لأن البطن الذي سيحملهم سيكون بطنا منفوخا بحكايات لأسرة مختلفة جاء بها القدر هكذا كصدفة غير محمودة .

في ذلك الوقت كانت عينا أمي السوداوان والمحاطتان برموش كثيفة وطبقة دائمة من الكحل العماني الذي حرصت على وضعه كل يوم تراقباني بابتسام ، مع تلك المرأة جربت أن أبكي لأول مرة حدث ذلك في مساء الصباح الذي رجعت فيه إلى البيت عائدة من مزرعة النخيل التي انتقلت إليها الأسرة في أشهر الصيف ، كان الحر قاتلا ، والظهيرة ملتهبة ، ملابسنا تلتصق بأجسادنا وتحتك بها بشدة ،كنا نلهث ونحن نبحث عن ظل شجرة ، إحساس الأنثى هو ما أرجع أمي كما قالت وهي تبكي أمام صديقتها \" مريم بنت سعيد \"
- حسيت بأن قلبي يكلمني عن شيء ما زين يصير في البيت .

وهكذا اختبأت في مساء ذلك اليوم وراء أمي ، أشد على ثوبها بقوة مخافة أن أسهو لحظة فتأخذني يد أبي أو عائلته ، كانت أمي تصرخ لأول مرة في حياتها ، من أنها رأت ومعه امرأة ذكرت أسمها ضمنا وهي تصيح ، كانا على فراشها وفي غرفتها ، قالت له بصوت يحرقه الدمع المتجمع في مقلتيها

- أنت ما تخاف ربك ولا تسوي حشيمة لأحد ، من حرمة لحرمة ومن بيت لبيت ، الله لا يوفقك أبدا

يومها وجدتني أبكي دون انقطاع ، أعري جرحي أمام الجميع ، أختي الكبيرة \" صفية \" عمي \" سعد \" وعمتي \" حمدة \" ، إخوتي الصغار ، أمام السماء والأرض ، كل شيء كان لا يسوي إلا قيمة الدمع الذي كنت أسكبه ، وفي لحظتها شعرت أيضا أني أسقط أقنعة الصمت دفعة واحدة من وجه أمي ومن وجهي ، الألم عندما يغزونا بشدة وحدة يصيرنا مخلوقات لا معنى لها ، ويقتطع من جلودنا كل ما كنا نعرف عن أنفسنا ، نبكي بحرقة لنحرق كل ما كنا نختزنه من إخفاقات الأعمار ، لحظات الدمع التي تنسكب دون قيد أو شرط طاقة علاج ننساها في سبيل إثبات المعنى السخيف من كوننا أقوياء وأنا قادرون على مواجهة الأمور مهما كانت كبيرة ومؤلمة ومدمية ، عندما نحرم أنفسنا من حق البكاء فأننا بطريقة غير عاقلة نغطي تلك الطبقة الرقيقة من إحساسنا البشري ونسرف في تكذيب حقيقة أننا خلقنا من ضعف ، في ذلك المساء بكيت وساندت أمي في صراخها وفي حثها التراب على وجه أبي ، دون إرادة واعية كانت تحث التراب في كل مكان .
( سويد بن عبدالله ) كان اسم جدي ، من بين الوجوه الكثيرة في بيتنا ، كنت أجده أحيانا يختلس النظر إلي، كنت ألعب مع أترابي وأنا أشعر أنه يحرسني ، وفي اليوم الذي جلس فيه أحمد في حجره لم أجد نفسي إلا قريبة منه أكثر لأشتم رائحة العود والبخور التي تفوح من ملابسه ، ونظر في كل اتجاه وقبل أحمد ومن ثم قبلني
دون أن يتكلم ،رأيت أحمد يغفو على صدره ، وضع يده على رأسي ، ظهرت رائحة جدتي من بين يديه ، تكلم
- لكل إنسان ريحة غير عن الإنسان الثاني .

للعمر رائحة ، رائحة أحمد كانت قريبة من رائحة الفواكه الطازجة ، رائحة أمي أشبه النسيم المحمل بروائح العطور الآتية من كل مكان ، ورائحة الحاج \" علي \" ترتبط الطمأنينة والطهارة ، تختلط روائحنا برائح من نحب أو من نعاشر ، أشم رائحة جدتي في راحة جدي ، وأجد روائحنا في خطوات أمي ، وعلى مقربة من الأماكن التي تسير عليها أختي \" صفية \" ، وحينما كان جدي يراقبني شعرت للحظة أن هذا الرجل مصمم أن يقتل في داخلي الخوف والتردد ، حتى عندما مات ومرر أبي مفتاح مندوسه إلي عن طريق أختي \"صفية \" لم أستطع أن أحقد عليه وأنا أجد فيما أجد من أغراضه التي تفوح برائحة زكية مختلطة برائحة الشيوخ والعجائز أوراق عتيقة ومنها وثيقة طلاق أمي التي مر عليها عشرة سنوات أو يزيد .



(2)


الحجارة التي ترميها في البحر لا تنبؤك عن عمقه ولا تخبرك عن الحقيقة التي يحتفظ بها في جوفه ، والعمق الذي تصل إليه الحجارة المبلولة يشبه قذفا في عين المستقبل ، إذ لا يملك أحد من البشر أن يكشف حجبه ، تلك الفكرة كانت تدور في أذهانهم في كل يوم ،يقلبونها ليلا ونهارا ، يدخلونها في عقول أبنائهم كما يدخل الهواء إلى الرئتين ، تدور جميع الأفكار حول كلمات قليلة لا توصف بالألفاظ بل تدار بالمعنى ، اليوم هو سيد الوقت ، وما غير ذلك فليس لهم به أي اهتمام . وإذا ارتفع همس صوت ليجادل في ذلك، رفع أحد الكبار إصبعه بشكل حاسم ، حتى تتغاضى بقية الأصوات عن ذلك وتنسحب بعيدا ولا يبقى إلا صمت يروح ويجيء في المكان . وتبقى \" أم مويز \" بعدها تلقب شفتيها بين حين وآخر ، وتهمس في مكان النساء عن حلمها الذي تراه قريبا من منها ، تنظر إليه . وعندما تسمع صوتا حازما يزجرها ، تسكت ثم تقوم وهي تقول

- من متى الحلم صار حرام ؟ ، من متى ؟ خبروني .

الحلم في صوت \" أم مويز \" كان رحلة حياة لا يمكنها التخلي عنها ، فرح صغير ،في وقت لم تكن الأفراح كمثيرة والضحكات منتشرة . قالت لهم يوم

- إذا ما ضحكت وحلمت ، ادفنوني حتى وأنا أتكلم .

في ذاك المساء ، استقبلوا المطر بصدور هزها الجفاف ، بعضهم ضم راحتيه وأخذ يرتوي من الماء الذي أرسلته الغيوم بسخاء كبير ،وبعضهم فتح فمه مباشرة على السماء رقص \" عبيد \" دون تكلف وأخذ يغني

- السيل نزل في الوادي .

يقطع الأغنية ليلاحق النفس المتصاعد من حنجرته ، يقف في مكان ، ثم يركض إلى مكان آخر يطرق الأبواب كطير جميل يحمل بشارة إلى الناس .

- يا ناس . السيل نزل في الوادي .



عند المفترق الكبير

كانت البيوت الصغيرة متراصة كبنيان واحد يشد بعضه البعض ، فيما بقي الاخضرار الجميل الذي طوق البيت الكبير - كما هو ،و طغى تداخل لوني لدرجات الأعشاب التي أطلت برأسها منذ شاهدوا أشعة الشمس تجفف آخر البرك التي سببها سقوط أمطار ذلك الموسم . كان الحي ينتظر زخات المطر من زمن طويل ، فقد جف التراب حتى أصبح يطير كشرارات مؤلمة بين القدمين وعلى الجبين ، وزحفت حبات الغبار على أصباغ الجدران فتحول البهاء الذي بهر العيون في ذكرى أول يوم تم فيه تجديد الطلاء إلى طبقة كابية من مزيج اللون الأحمر الباهت . عندها رفعت \" أم مويز \" يدين معروقتين إلى السماء واسترجعت دعاء قديما

- يا الله ، بمطر يسقينا ويسقى التراب . يا الله ، بمطر يغسل النفوس ويسقي البلاد .

ظلوا مؤمنين أن الدعاء خيط يربطهم بالسماء في كل وقت ، تترفع الحناجر بصوت خاشع وتبقى القلوب مترقبة الهبات الطيبة ، وحنجرة \" أم مويز \" كانت رطبة بالدموع وبالخشية من ربها الذي لا ينسى عباده بل يختبرهم إلى حين .

الأجساد احتفظت بالرطوبة طوال ذلك اليوم ، لم يحاول أحد منهم أن يجفف نفسه من بلل تلك الغيمات التي زارت أرضهم واختلط بماء العيون الذي نزل دون إرادة منهم ،
وبعد يومين أو ثلاثة كانت البذور تخرج رؤوس الأجنة التي احتفظت بها طوال الأيام المشمسة ، زرع ذلك شيء من الأمل في نفوس الأطفال الذي اجتهدوا في جمع تلك النباتات الصغيرة وسوروا لها بالحجارة التي جمعوها كيفما اتفق حديقة ، اجتهدوا أن تكون بعيدة عن أقدام الكبار وأفواه الماشية ، وسقوها من الماء الذين أحضروه من بيوتهم ولكنها كانت تتنفس من أنفاس حبات المطر ، وكل ماء الذي لا يفيض به رحم غيمة لا يمنحها الحياة . فلاحظ الصغار أن الأوراق الصغيرة انكمشت على بعضها البعض أولا ثم اصفرت الطبقة الخضراء فيها ومن بعدها شعرت بعض الأمهات بالدموع التي تجمعت بين الرموش المتناثرة وكادت إحدى الأمهات أن ترفع صوتها لتغرس حكمة بعيدة المنال عن العقول الصغيرة وتقول

- تلك حكمة الحياة ، كل شيء في النهاية ؤول إلى الموت .

اللون الأخضر الداكن يصعد كشهقات مع غصون الأشجار الكثيفة ويبدأ بالخفوت بين الفراغات الصغيرة إلى أن يبهت تماما عند البوابة التي غالبا ما تصدر أصوات عالية تجعل العصافير القليلة الزائرة للمكان تهرب فزعة عند أول صرير يعلو من احتكاك ذلك الحديد . فيشاهدون أكثر من هامة ترفع فيسمعون أكثر من صوت يقول

- إنا لله وإنا إليه راجعون .

هذه الأرض محروقة بخطوات من مشوا عليها ، البشر يضعون دائما بصمة أقدامهم على وجه الثرى ، يدوسون بإمعان على وجه البسيطة كي يمحوا أثار بعضهم البعض ، وكأن ذلك تقليد أصيل لممارسة جزء الأنا المغموس في داخلهم، يطبعونه على التراب ،ويسرون له أنه موجودون وأن رحلوا ذات يوم ، القلة القليلة كانت تحدق إلى أثر الأقدام التي سبقتها وتعرفها وتعبر عن ذلك تلك المعرفة بكلمة متباعدة

- من هنا سار فلان ، في يوم ما سرنا أنا وهو على تلك الطريق .

البقية تسير ،تكمل مهمتها التي أوجدتها الطبيعة ، تطبع الخطوة فوق الخطوات وتسير

في الأيام السابقة كرروا عادتهم القديمة ، اتكأوا على الحائط المرتفع إلى مناكبهم ومدوا أعناقهم ليشاهدوا ما داخل السور ، كانت القبور في الجهة الشرقية من السور طويلة وكأن أصحابها ما يزالون يحتفظون بحق النمو تحت التراب ، وزادها أنها ملفتة أكثر من غيرها الارتفاع الذي أهيل بفعل فاعل ليضع علامة لا تمحى في وجه الناظر إليها وزادها تلك الحجارة التي كانت شاهدا يختلط مع لون السور ، وعلى اليمين دائما قبرين أو ثلاثة جاهزين بفم مفتوح لتلقى أول جسد يقذف إليهما ليلا وفي والأوقات التي تعصف فيها الرياح أو تصبيح الأرض لزجة لا تحتمل من يعبث في جسدها . قبل عامين لم تكن تلك القبور المفتوحة موجودة ، ولكن وفاة \" بنت المطوع \" بمرض غريب والسرعة التي تم بها دفنها في ليلة كانت الريح فيها تعوي كألف ذئب ، نبه \" حمود القبار \" إلى تجهيز القبور الثلاثة تحسبا لمثل تلك الظروف .

تحتفظ الذاكرة الجماعية هنا أنه منذ سنوات وجدوا \"حسن بو غرشة \" رافعا إزاره إلى وسطه ويتبول على الجدار ، وعندما ضربوه ، خلع ملابسه قطعة ، قطعة أمامهم وهو يقذفهم بالحجارة والسباب وجرى عاريا وهو يهدد

- غدا سأسقي لكم كل قبر من تلك القبور .

من يومها كان \"بو حمد \" وبتحريض من\" أم مويز \" يمر بخطواته بجانب السور كلما أنهى فرضا في المسجد الوحيد في الحي . ويبقى يتفرس في المقبرة وينهي ذلك كله بالبصق في الجهة المعاكسة لها ومن ثم يحث خطاه ويمضي .

جهة الغرب المائل إلى انحدار أشجار النخيل جنوبا كانوا يتأملون البيت الكبير ، كانت ذاكرتهم تستيقظ على كلام \" أم مويز \"
- البيت مبني من نفس المواد التي بنيت منها بيوتنا ، ولكن صاحبه الأول توسع في عدد الغرف ،زاد من مساحة الفناء بعدما رأى نسله يزدادون عددا في كل عام .

كان هنالك سر صغير يلمسونه كلما سولت لهم أنفسهم الاقتراب من البيت وطبع بصمات أياديهم عليه ، سر باح به \" مبارك \" ذات يوم دون مواربة كبيرة من أن البيت منفصل عنهم ولا يرتبط كما ترتبط بيوتهم بالخنادق والممرات الضيقة ، وأن ذلك ساعده على التمدد دون عائق ، حتى شعروا أنه يكبر في كل يوم ، وأكد ذلك \" مبارك \" الذي رسم خطا على التراب البعيد عن حد سور البيت مقدار عشر خطوات من خطواته ثم وضع عصا طويلا وثبتها بحجارة عاد بعد يوميين ووجد أن الجدار قد توسع وأن تلك المساحة قد ابتلعت في جدار البيت .
أكملت لهم \" أم مويز \"

- نسل الرجل كان كالهشيم الذي سرت فيه جمرة نار نسيت على حين غفلة ، ماتت أبناءهم تباعا.

من جهة الغرب كانوا ينتظرون أن يأتيهم الأشياء دائما ، كان القدر مرسوما من تلك الجهة ، و بقيت الجهات تكون ضامرة ، صامتة ، بعيدة عن الذكر على ألسنتهم ، صحفهم منشورة ومكتوبة بمداد حياتهم التي يجب أن يعيشوها في تلك الجهة ، حتى أسماء أطفالهم كانت تأتي من الحمرة التي تملأ وجه السماء فتكون مع الزرقة والسواد الذي يطغى في النهاية على اللونين أرض جديدة لم تطأها قدم مخلوق من قبل ، الشمس التي تزيل الظلام الذي يغطي الكون كانوا يرونها تغمض عينها عنهم هنالك ،فتتركهم لوقت هائمين في ليل يخافون كل ما يستتر به ، و الرياح التي كانوا يأنسوا بها للحظات وثم تصبح كلفح النار تأتيهم بغتة من تلك الجهة ، ونظرهم المعلق إلى البيت الذي لم يدخلوه وأمنيات النفس التي كانت تحاك كل ليلة عنه كانت توجب عليهم أن ينظروا إلى تلك الجهة وكأنها قبلة للصلاة . وقبل ذلك كله كانت حكاية الرجل الذي ذكرتهم بها العجائز في القرية وبقيته \" أم مويز \" أشبه الدم الذي يسري في العروق مدة العقود الستة التي مرت من عمرها ، كانت ترفع عصاه إلى الغرب وتقول لمن يجتمع حولها من الناس

- من ذيك الجهة كان واقف ، وحده مثل فحل النخيل في القيظ .

أي إنسان يملك أن يسطر في الصحف الجافة والمرفوعة منذ الخلق الأول سطرا جديدا ومميزا ؟ ،أين ذلك البشر الذي يغير الأقدار بطرف إصبع ؟

\" أم مويز \" ترد على التساؤلات التي تترجمها الأذهان إلى كلام يفهم ، بأنه ذلك الرجل الذي أتى من الغرب يمتلك ذلك كله ، تجلس \" أم مويز \" بينهم وترفع ظهرها الذي انحنى بفعل هموم السنوات ، تبدو أمامهم كطفلة صغيرة أرجعها جو اللحظة إلى الحلم الذي رأته في وجه البدر ولكن الأيام لم تسعفها في تحقيقه ، أو حتى تلمس جوانبه ، تقول لهم الكلام الذي يحلو لها أن تقوله ، يسقط بعض الكلام كهبات الريح طريا على النفوس ،

- بني آدم ويش ، غير ضحكة وحلم ؟!

الرجل الذي لم يطلقوا عليه اسما أبدا ، وقف للحظة صامتا ،وفي سيره كانت الرياح تعبث بجسده ،تغرز \" أم مويز \" عصاتها في جوف التراب وتقول
- في ها المكان وقف .

يعتقدون أنه جدهم الأول ، الرجل الذي قدم نفسه من أجل أن ينبت في هذه الأرض نفس إنسان ، تصفه \" أم مويز \" بأنه كان طويلا وهو يسير في تلك الليلة المظلمة ، كانت هذه الأرض صحراء ، ومسكنا لأولاد الجن والشياطين ، وحده وقف عاريا إلى من الظلمة التي تستر النفوس ، وفي البداية سارا بين جذعي الشجرتين اللذين تحرسان الطريق ، ثم أخرج حبلا من يده وربط شيئا من تحت التراب ، ذلك الشيء كان يقاوم حتى كاد أن يصرع الرجل ولكن بحزم الأبطال استطاع أن يثبته وأن يوجهه جهة الغرب ، ودون أن يسمي ذبحه ، الدم ملأ المكان ، دم نتن أسود ،قطع متجمدة سالت بغزارة فيما الرجل وقف بصمت ومن بعدها نمت البيوت هنا ، كعروق
الطريق .

لم يجرب أحدهم أن يجبر بخاطر تلك العجوز ، كانت الكلمات تطير من فمها كالفقاعات الصغيرة لا يبقى لها أثر ، أشياء كثيرة ملأت جوفها ، لم يشعر أحد بالحرقة التي تأكل جوف \"أم مويز \" إلا عندما رفعت عصاها جهة الشرق ، وقالت
- هذي الأرض تاكل اللحم وتشرب الدم ،وتمر السنين والدهور بس تبقى في داخلها طاهرة .


الحكايات الصغيرة هي ما يوقد جذوة الحياة في تلك الأرض ، تمد عروقها باحثة عن أثر المطر الذي تساقط منذ سنوات هنا ، يستمر ذلك البحث حتى يتحول إلى مخاض مؤلم ، يفتح الجميع قلبه لينتظر بكاء ذلك الطفل ، ويتخل بينه وبين نفسه شكله وطريقة ومناغاته ، يحسون له ميلادا ، ثم يصمتون ، ويذكرون ما قاله \" بو حمد \"

- \" الأرض تتألم بصمت لا يفهمه إلى من ذاق طعم الصمت الحقيقي\" .

سنوات الأرض لا يمكن أن تحتسب بسنوات البشر ، البشر مجرد كائنات ضئيلة تملأ الفراغات المفتوحة في تجاويف سنوات الدهور الطويلة التي تمر بها الأرض ، قد يفتح أحدهم فيكتشف أن أهل تلك الأرض كانوا بحارة وأن قطع المحار التي توجد مكان شجرة النخيل هي الدليل القاطع ولعل أحد أولئك البشر لن يصدق ذات يوم أن الأرض قد تبدل أثابها وتأتي بثوب مزركش بالثلج والبرد ,، نحن لا نحكم الأرض ، الطين أو التراب الثابت والذي نسير عليه هو ما يحكمنا بقوانين وأنظمته ، ويسرنا كيفما شاء دون أن يحق لنا الاعتراض أو التفوه بكلمة .
تذكر الناس هنا حكاية الأمير \" رمادوه \" في القصة الشعبية ، ذلك الأمير الوسيم الذي غطى جسده بالرماد ، ليهرب من أعدائه ، وعندما اكتشفوا أمره ، قطعوا إلى قطع صغيرة ، ووضعوا كل قطعة في شوكة من أشواك شجرة النخيل ،ورموا تك القطع في جوانب الأرض ، وبعد سنوات عادت حبيبته وقد جمعت قطع لحمه وضمتها إلى صدرها ،نجاته طويلا ولكنه لم يرد عليها ، حينها اكتشفت أن قطعة من جسده مفقودة. عاد البشر هنا يبحثون عن القطعة الناقصة في جسده حتى وهم يقتربون من أشجار القرط بعضهم كان يقول أن القلب هو ما حمله طائر شؤم مرة ليلة على أرضهم والآخرون يقولون أنه العقل ، ولأن الأمير الشاب اعتاد أن يفكر بعمق فقد آثر أن يخبئ جسده في مكان بعيد حتى يرسل من يجد له عقله لينظر إليهم ، وحدها \" صفيه\" - وقبل أن تجرب ذلك الرحيل - قالت للنسوة في الحي أن الأمير فقد عينيه ،العينان مرآتان ذاتا اتجاهان متعاكسان ، الجانب الأول منهما يشرف على النفس و الظلام المحفوف بالضباب الذي يبقي البشر كعالم مجهول بالنسبة الآخرين ، يغلفنا في لحظتي الفرح الحزن الظاهرين بغمامة غير مرئية ويفتح لنا من الجهة الأخرى صفحات الناس واسعة ومديدة .
مرة واحدة شاهد الناس هنا \" مويز \" تسير ذهابا وإيابا ين جانبي الخور الواسعة ، وعندما سألتها النسا عما بها ، حكت وضعين أو أثر على صدرها دون أن ترد ، وعندا غادرت المكان ، كانت الأرض مبقعة هنا في كل مكان ، هنالك تراب مسته النار ، يظهر اسوداده كلما هاجت الأرض وذكرت من يستوطنها ، أنها تتطهر نفسها من سير رجلين ، وضع أحدهما علامة على جبينها ، وغرس الآخر حبا بعيد المنال .




الفصل الثاني


(1 )



مرة أو اثنتين في اليوم كنت أراقب سرب الطيور ذاك ، كانت طيورا بيضاء بلون الثلج ،تأتي زائرة للمنطقة ، يصغر حجمها كلما حلقت إلى الأعلى فتصير أشبه بنقطة ضئيلة ، ثم تعود ،تنزل إلى مستوى جديد أراه فيها جيدا ، الجناحان المبسوطان بفخر وكبر ،انسيابية الجسد ، النظرات دائما كانت مغرية ،تكاد أن تعانق السماء ، الزرقة الجميلة التي كنت أحلم باحتضانها ، الأفق الرحب الذي يفتح ألف شريان لأتنفس منه ، وأفكر ،وأحيانا أتصور أنني أدور على قدم واحدة ، لوحدي ،ولفترة طويلة من الوقت ، كنت أصدق أن روحي يمكن أن تتعلق بروح طير ، شعوري الدائم بأن الطيور تطير لأنها لا تحمل هما في داخلها ، لا تحقد ، لا تكره ، لا تمارس الكذب أو النميمة ، لا تشعر بذاتها إلا في ذلك السرب ، أنها حرة وهذا ما يمنحها هبة الطيران .

ولأكثر من مرة تهيأ لي أني شاهدت وجه \" صفية \" هنالك ، الجسد جسد طير أبي ، والوجه وجه أختي \" صفية \" ، من الأعلى أشاهدها في تكوين حمامة برية ، طويلة ، رشيقة ، كأطراف النخيل الخضراء ، ولكنها مغطى بالريش الناعم ، تنظر إلي بالعينين الواسعتين ، بالثغر المبتسم ،طوال السنوات التي عاشتها \" صفية \" متنقلة بين بيتنا الكبير وبيوت الرجال الذين تزوجتهم كانت تظل معلقة لتلك الابتسامة في وجهونا نحن إخوتها ، أتذكر أنها قالت مرة لعزة وهي تشاهد كل تلك الأوراق مبعثرة في دارها

- بكرة اكتبي عني . ورسمي صورتي في أوراقك .

كانت عيناه ثاقبتان كعيون الطيور الجارحة ، وفي تلك الدقيقة من الوقت ضمت \" صفية \" شفتيها وابتلعت الابتسامة الكبيرة التي كانت مرسومة منذ وعينا في هذا البيت . لم تنظر إلي كما كانت تفعل دائما ، أطرقت إلى الأرض ، النظرات الكسيرة كانت تشعرني بالفضول القاتل ، أنها نافذة غير مفتوحة على مصراعيها لتسمح بالريح التي تعبث في داخل المرء بالخروج كلية منه ، شاهدت تلك النظرة في أيام أخرى في عيني عمتي \" حمدة \" وكأنها تنتقل إلينا بالمورثات ، وتلصق بالجين الخاص بالنساء ، كانت يوم زواجها قد اقترب ، لم تقف كم فعلت \" صفية \" في زواجاتها أمام المرآة ، كما لم تشعرنا الامتنان للهدايا التي قدمناها لها ، بقيت تتحرك في غرقتها بلا هدف .

نحن النساء نعيش تحت جلودنا ، كل أحلامنا التي تكبر في مرحلة المراهقة ، تلقى في أقرب وأكبر مكبات القاذورات ، تصبح كالبقايا المهشمة التي ليس من ورائها فائدة ترجى إلا أن يجر بعضها البعض إلى الهاوية .

كنا سلسلة مترابطة ، أنا وصفية ومزنة وعزة وعمتي \" حمدة \" ، حتى جدتي كانت تعود في لحظة لتحنى ظهرها أمام الذكر الذي تباهت بإنجابه أمام النساء في الماضي . في بعض الأحيان كان تعود كالطفلة اليتيمة ، تشعر بأنها صغيرة ، وجدتها في بعض الليالي وحيدة في الظلام ، كانت شبيه بهرم متصدع ، شيء من الفراغ الكبير يتلبسها وعندما ألمس رأسها ، يتضوع منها رائحة الحناء والآس ، تأخذني بين يديها وتحتضن رأسي ، وأشعر بالدموع الحبيسة تسيل على خدي .

كانت تعرف نقطة ضعفي ، تضحك باقتضاب ودفعني برفق عنها وتحدثني بعمق

- يا حليمة أمك كانت حرمة والنعم فيها .

الفقد ذلك الشعور الذي يهدمنا كأوراق اللعب ، يسحب منا بعضا من إحساسنا الإنساني كلما توغل فينا ، نفقد إنسانا عزيزا علينا ، صورا ، مواقف ، فرح ، حب ، وأماكن وفي النهاية نفقد ذواتنا ، مع كل فقد نقبر أنفسنا بأقساط ثقيلة ، حتى عندما نئن نشعر أن ذلك الأنين باهت ولا لون له إلا لون العدم الذي نصيره في لحظات الفقد ، كانت تعرف أنها بعبارتها ترجعني إلى البدايات المرة ، بكلماتها تمحو كل سؤال قد يطرق باب لساني لأسألها عن ما بها ، كانت تعرف كيف تشغلني .أتصورهن يقفن بالصف ، أم عزة \" أمامي ومن ورائها تقف أمي وبعدها يتراءى لي طيف \" مويز \" مخضبا وطويلا ، كان صف النساء اللواتي بقين تحت أبي يشغلني كثيرا .

عمتي \" حمدة \" بقيت معلقة في ذهني

في كل لحظة أسرقها وأدخل فيها غرفتها ، أشم رائحتها ، كل شيء في غرفتها يشبهها ، السرير الخشبي الصغير ، المرآة الحمراء المعلقة في الجدار ، خزانة الملابس المنقوشة بصور الطيور والأزهار والمساند القليلة التي استبدلت بمقاعد منذ فترة ليست بالبعيدة ، الأدراج الصغيرة التي ضمت عطورها وأدوات الزينة التي وضعتاه بتنظيمها الخاص ، كان لديها دائما ذلك الذوق الخاص ، ثم هي الشابة التي جاءت إلى العائلة بعد يأس من إنجاب طفل ثالث في العائلة ، فغيرت مجرى الأمور وأصبح الجميع يوسطها لدي أبي ليحصل على ما يريد .


الآن

لا أحد يفهم تماما الطريقة التي استطاعت بها أن تفعل ذلك ، كانت قد استيقظت باكرا وفي الحقيقة فإنها لم تنام كما كانت فعلت من قبل ، استمر الوضع على ذلك على ما يقارب الشهر ، أصبح باب دارها المشرع على الحديقة بالمنزل مغلقا ، تشعرنا أن أنثى عنكبوت كبيرة قد ألقت بشركها عليها ، تصبح فجأة فتجد النار تحرق مواضع في جسدها ، وأحيانا تحرق جسدها كاملا ، نفتح باب غرفتها لنجدها تصرخ

- نار ، نار .

تهزها جدتي بكلتا يديها ، حتى تشاهد بياض العينين ، وتشعر بالنفس الكبير الذي تزفره من أعماقها ، لفترة تبقى تتنفس وكأنها طوال الليل كانت محرومة من الهواء ، وعندما تناولها \" جدتي \" كأس الماء ، تشربه كالظمآن التائه في الصحراء منذ ألف عام .

عمتي \" حمدة \" لا تبكي ، تبقى الدعم كغيمة صغيرة وحبلى بالماء ، يد جدتي تمر على جسدها وتردد
- بسم الله الرحمن الرحيم . أرقيك باسمه الكريم من كل شيطان وهامة .

بجانبها كنا نسكت ، بينما تبكي \" مزنة \" بارتجاف قاتل .

يحرقني كثيرا أن \"عزة \" لم تكن تفهم كل تلك الحكايات الصغيرة التي كانت تنطقها من عدة أفواه دفعة واحدة تبقى عصية عليها في فك رموزها . كانت أصغر من تفهم بأن \"صفية \" التي كانت تمشط لها وتجدله لها في جديلة طويلة وتفعل ذلك لبقية بنات أبيها لم تعد موجودة ، كنا نعتاد أن تذهب لشهرين أو أثنين ثم تعود إلينا ، عندها تفتح صفحة نور جديدة في البيت الذي يزيد صمتا في كل يوم ، وفي يومها الأخير يضيع من ذاكرتي كل شيء إلا سؤال جدتي لأبي

- وين \"صفية \"؟

رفع سبابته بين عينيها المرتجفتان

- أم الخير ...طارت .

يكلم نفسه وكأنه سكين تقطع قلب جدتي إلى أجزاء صغيرة ، ثم يدوس عليها .

-كلبة ، فاجرة . بنت .....

ويصمت بعدها

سادت صمت طويل وقتل أجواء البيت لم يجبنا أحد عن السؤال الذي أمرض \" عزة \" لشهر ، وجعل الحمى تجوس في جسدها وأفقدنا الفرح الذي ننتظره في كل مرة تعود فيها \" صفية \" من البيوت التي تذهب إليها ، في ليلة حارة تمرغت \" عزة \" في حضن جدتي وسألتها السؤال الذي لم نجرأ على البوح به .

- أمي ..... وين صفية ؟

من قال أن لنا الحق المطلق في نعيش كما نحن ؟ ، نحن مجرد أشلاء تعيش في أجزاء الآخرين ، الآخر بكل متناقضاته يعيش منها ويملي علينا أساليب اجترار الحياة ، يزيد الأمر تعقيدا أن تكون امرأة ، عندها لا يكون لك الأحقية إلا في أقل القليل ، وعليك أن تتغاظى عن ذلك القليل أحيانا ، تعلمت من التقاط الكلام في البيت أن المرأة يجب أن تكون تابعة ، غير مؤهلة لرفع إصبع لتقول كلمة أو اثنتين إلا بإذن مسبق ، كان أبي يقول

- الحرمة لها نص عقل وهذا النص ما يكون صحيح إلا إذا كانت تحت رجل .

حتى \"مويز \" لم تتخطى ذلك الحد مع أبي ، ظلت لفترة تلامس الحد الفاصل الذي يتوجها امرأة لا ترد لها كلمة ، كانت تعرف كما أخبرتني في العيد الذي ماتت فيه جدتي أنها تعيش في عرين أسد ، وأنا تحاذر وتعد للأمور ألف طريقة قبل أن تقول أول تفعل شيئا قد يكلفها غاليا . وينزلها عن تلك الدرجة .

ليس منا من لا يخطئ ،من لا يخطئ ليس بشرا ، ولا يمكن أن يكون قريبا من الملائكة ، الخطأ هو منتهى الكمال البشري ، أنه صمام الأمان الذي يبقي الأمور قريبة من خط الصواب طوال حياتنا .

أشعر أن نساء أبي تحتمي كل منهن بالأخرى ، تجلس جدتي في صدر صالة البيت الكبيرة ، بينما تجلس زوجات أبي قريبات من بعضهن البعض وقريبات من الغرفة التي يعرف الجميع أنه مكان راحة أبي في وقت الظهيرة ، نتفرق نحن البنات في المساحة الواسعة المتبقية ، كل يعرف مكانه تقريبا ، ويمارس كلامه مع نفسه ، حتى أخوتي الذكور كانوا يعرفون أن ذلك المكان ليس مكانهم وأنه لا يسمح لهم بالجلوس إلا لوقت قصير وخاصة في هذا الوقت ، بعد أن يتناول سكان البيت الغداء ، يمر أبي على المكان ، يرتدي ثوبه الأبيض الخفيف ، يقف أمام الباب يحدق فينا وكأنه ملك يتابع رعيته ،يعد من حضر ومن تخلف ، لا ينظر مباشر في وجوهنا ولكنني كنت أرى نظراته الجانبية تحصينا ، توقعت دائما أنه لا ينظر إلى وجوهنا لا يكتشف أن هنالك تغير يلوح في الأفق لا يرضيه ، يتجنب النظر إلى جدتي ، حتى بعد أن ماتت لم يكن ينظر إلى مكانها في الصالة ، يقترب منا نحن البنات وعندما تكون \"صفية \" موجودة في البيت ، يناديها حتى تتبعه إلى غرفته ، يغلق الباب ، لا نسمع إلا صوتا مرتفعا وغير مفهوم ، بعد لحظات تخرج صفية نلمح بين عيونها دموعا تحاول أن تداريها بالجلوس بجانب جدتي ووجهها مصفرا ، وبعدها يبقى باب غرفته مشرعا للحظات ، تخرج جدتي وتذهب إلى غرفتها ، عمتي \" حمدة \" تدخل وتغلق باب غرفتها ، تأخذ \"صفية \" بيد عزة ومزنة وترمقني فأتحرك ، كنت أحفظ ما يحدث بعدها ، تبقى زوجات أبي في مكانهن ، ويبقى الباب المشرع كما هو ، تمر لحظات ثقيلة قبل أن نسمع صوته ينادي على أحداهن ، عندها يغلق الباب ويكون ذلك إذنا للأخريتين بالذهاب إلى غرفتيهما .

وفي تلك الأيام كان غالبا ما ينادي بصوت قوي
- مويز ، مويز

فأرها تسرع في خطواتها ، تكاد أن تسقط من فرط السرعة ، أمي وأم عزة تنظران إليها بنظرات حامية ،\"أم عزة \" ترفع أقداما متثاقلة وهي تنظر إلى الباب المغلق ، ذات يوم وجدتها تخرج بهدوء ، تلتفت إلى الجهتين ، ومن ثم تضع أذنها على باب الغرفة المغلق ، تقف برهة ، تركض كشابة صغيرة وهي تبكي ، كنت أعرف أن أبي ينسى أسماء زوجاته أو يتعمد أن إلا يذكر أسماؤهن ، فقط يشير إليهن بإشارات مفهومة ، ويتحدث عنهن بلفظ \"هي \" .
في المساء يختلف الوضع ، تبقي النساء أبواب غرفهن مواربة ، ينتظرن بحمى أي حركة قد تصدر قريبة من باب إحداهن ، وعندما يسمع صوت إغلاق إحدى الأبواب ينام بقية البيت بهدوء تام ، ما يقلقل أم عزة هو أن لا يغلق أحد الأبواب ، عندها تفزع وتبقى تدور في دارها إلا أن يصبح الصبح ، نراها بعيون منتفخة ، قلقلة و لا ترد على أحد أبدا ، تكلمها أمي لتضحكها

- خليه ، السنور كان يدور رزقه ذيك الليلة .

- باكر بنشوف معنا حرمة جديدة ، صغيرة وحلوة .

وعندما يزداد صمت \" أم عزة \" يزداد حدة صوت أمي

- ليش معورة راسك ، خليه ينام في أي مكان ريحه . أنت حالك أولادك وأكلك وشربك ، بعدها السنين ما فهمتك ، ها الرجل ما حالك فيه شي أبدا .

يمد الجميع يده إلى طعام الإفطار ، نعرف أن \"أم عزة \" لن تأكل وأن هنالك زوبعة تقلقل داخلها وعندما تحضر جدتي ، تصمت أمي فيما تقف أمي عزة كجبل يتفجر صخره من شدة الحر

- احنا عايشين بالحرام ، أكلنا حرام ،وشربنا حرام . وأولادنا حرام ، الحرام يسير معنا

ثم ترفع يدها إلى السماء وتقول

- يا رب فكني من ها العيشة وأهلها . يا رب خذني معك .

من نحن ؟ مجرد دمى فارغة العقل ، غدا أو بعده يمكن أن تقاد إحدانا إلى بيت لا تعرفه ، والى رجل لا تعرف عنه شيء الا كونه من الجنس الآخر .

\"أم مويز \" شبهت ذات يوم جوهر الرجل بجراب التمر

- قلب الرجل مثل جراب التمر ، الحرمة لما تتزوج لازم تفتح حتى تشوف إذا التمر حلو ويسيل منه العسل ، أو التمر يكون ما تقدر تخليه قرب فمها أو حتى تشم ريحته .

وفي الأيام التي سبقت دخول \"مويز \" إلى البيت ، ظل باب الغرفة في وقت الظهيرة مشرعا دون ينادي أبي على أحدى زوجاته ، في وقتها توجست النساء خيفة كنت يتهامسن أن امرأة جديدة ستدخل البيت وأن وقوع مثل ذلك الأمر كان مسألة أيام لا أكثر ، وفي الليلة التي جاءت فيها \" مويز \" كانت نظرات أهل البيت موجهة إليها كنت نكتشف عالما جديدا ، المرأة الجديدة التي تخطت بأنها لا تحمل نفس القبيلة جاءت من بيوت كانت النظر إليها محرما ، كانت تشبه القطة التي روضت بقسوة وإذلال .وبأي وجه ما كانت لتكون تلك القطة التي كانت تأخذ أبي من بين زوجتين وتجعله يقضي الليل بعيدا عن بيته . الدخول والخروج من البيت وذلك الاتصال الذي جاءنا بالبيوت المتراصة كان بداية الحلقة التي أجبرت عمي \"سعد \" على الرحيل وحرمتنا من رؤية أخي \"أحمد \" طوال ذاك الوقت الطويل . وشق طريقا عميقا لا يمحى لنهر لم نعرفه .


(2)


- ربك بابه مفتوح لكل عبيده . وما يحتاج واسطة أحد .

كان الرد الأقرب الذي قاله \" الحاج علي \" للقاعد في مجلسه .

نحن لا نعرف أنفسنا تماما ،لا نعرف كيف بدأنا ومتى يمكن أن تنتهي ؟منذ الميلاد تسيطر علينا غشاوة تحجب عنا داخلنا ، نشعر في وقت ما أننا نقفز إليها وأننا بشكل غير متوقع نسبرها ، نعزلها يوما يوما ولحظة لحظة ، ولكننا نعود في زمن لا نحدده لنعترف أن هنالك مجموعة من الطيات المخبوءة في أعماقنا والتي تحول بيننا وبين الوصول إلى جوهر ذواتنا ، وفي لحظة الوهم التي نكون فيها الأقرب إلى شخوصنا نكتشف أننا نمسك بمتغير لا يهدأ ، موجة بحر في يوم عاصف تتقلب من شكل لآخر من لون إلى لون لم نألفه حتى العلامات التي نؤمن أنها ترشدنا إلى طريق المعرفة تكون كاذبة ومبهمة .
دار ذلك التفكير في رأس \"الحاج علي \" هو يحدق بين فينة وأخرى إلى الجالس أمامه ،هيئته تذكره بقول \"أم مويز \"

- طوله مثل طول نص الليل في الشتاء .

كان يعرف أن \" أم مويز \" امرأة حاذقة وأن السنوات التي عاشتها عجنتها بقوة وقسوة حتى باتت تعرف من الأمور ما يخفى على الكثيرين هنا .اختبرها لأكثر من مرة وفي كل مرة عرف أنها لا تدعي ما تعرفه ، هي تعرفه حقيقة ما ترويه كمن رآه بأم عينيه ، كما عرف أن الأمر برمته منوط إلى الكلمة التي تخرج من بين شفاهها ، الكلمة هي المنفذ الذي تبقيه مفتوحا أمام الجميع ليسمعوا ما تقوله ومن ثم يفهم ويفسر كل منهم ما سمعه حسب ما يريده ويدركه . مرة أتت هي إليه تركض بنشاط زائد لا يناسب عمرها ، وعندما فتح لها باب بيته ، بسطت أمامه إناء صغيرا به ماء أحمر ،في ذلك اليوم لم يسألها ولم تروي له ، بقيت النظرات محدقة إلى الماء ، إلى أن رفعت إليه صوتها وقالت له

-باكر يا حاج \"علي \" الماي راح يتكلم ويسمع كل الناس.

-

وعندما نظر بطرف عينه إلى الجالس أمامه أدرك أن قول \" أم مويز \" يصوره أطول مما يبدو عليه الآن ، كان يعرف أن بنيته متينة وأن له كتفان عريضان ، وأنه فوق ذلك وذلك جميل ،\" صبيحة \" عبرت عن ذلك بصوت واضح في جلسة النساء الكبيرة وقد كن يناقشن الحريق الذي أكل الدكان وفي حينها بررت ما فعله

- يمكن لأنه حلو ، الرجل الحلو دايما في شيء في راسه ما يفهم أي أحد .

جماله يظهر في عينيه ، الجميع كان يشعر أن العمق في تلك العينين لا يعرف له قرار . في الوقت الذي تحدق فيه أليهما تشعر بالجذب ، بسحر لا متناهي يذكرك بالحكايات القديمة ، يغريك كموج البحر الذي يغازل قمرا مكتملا ، فالبحارة القدماء كانوا يقولون أن نوعا من الجن يسكن الموج في تلك الليالي وحين يلامس الموج قدمي إنسان يخيل إليه أن البحر يدعوه بحب جارف، الدعوة تأتي من تيار المياه الدافئة التي تلامس قاع الأقدام المغموسة في الماء ، يغريه بالتوغل أكثر في لجته ، وعندما يحاول مغادرة الماء والعودة إلى الساحل يسمع أحيانا صوت طفل صغير يستنجد به ،وأحيانا أخرى جسد فتاة جميلة ينزل في الماء فلا يبقى منه إلا الشعر الأسود الحرير مفروشا على صفحة البحر ، يجمده الصوت ، ينظر في كل اتجاه ، يرى خيالا يغرق في البحر ،وصوت الطفل ما يزال يرسل بكاء حزينا ، وجسد الفتاة يترنم بأغنية فاتنة ،يثيره ذلك العمق بينم