منتديات السلطنة الأدبية

منتديات السلطنة الأدبية (http://www.alsultanah.com/vb/index.php)
-   القصة القصيرة (http://www.alsultanah.com/vb/forumdisplay.php?f=13)
-   -   المرأة الشبح (http://www.alsultanah.com/vb/showthread.php?t=22998)

زهرة السوسن 22-07-2017 12:39 AM

المرأة الشبح
 

كانت الساعة التاسعة والنصف صباحا من العام المنصرم، وأشعة الشمس الساطعة تزيد من حراة الهواء الذي بدأ يلفح الوجوه بحرارته، وقد بدأ الزحام المروري يتلاشى؛ حيث استقر كل في عمله، انطلقت بسيارتي مصطحبة ابنتي حليمة إلى إحدى المدارس الخاصة، وما زالت تعلن رفض الخروج إلى المدرسة كالعادة، ولكن كان من الصعب علي أن أستسلم لرفضها؛ حتى لا تقضي العمر جاهلة كمن لا حول له ولا قوة، وإن كانت على هذا الحال ثلاث سنوات وهذه السنة الرابعة، وكل سنة كنت أحاول معها جاهدة وأنقلها من مدرسة إلى أخرى، عسى أن يفرج الله هذه الكربة. وبينما كنا نسير وكلما اقتربنا من المدرسة كانت حالتها تسوء أكثر وأكثر، حتى تبدت لنا المدرسة من بعيد، وقع بصري على تلك المرأة العجوز التي لا تفتأ تتبعنا أينما توجهنا، فسكت وبدأت أقرأ بعض الآيات القرآنية وأرقي ابنتي، محاولة اجتذاب اهتمامها حتى لا تراها؛ فتخاف وتفزع منها، ولكن للأسف الشديد وقع بصر الصغيرة على المرأة ونحن نخلفها وراءنا، فقالت: أمي رأيت امرأة لا وجه لها. قلت لها: لا وجود لمرأة لا وجه لها على سطح الأرض، وإنما هي الشمس الساطعة على وجهها تريك أنها بلا وجه.
مضينا في طريقنا حتى وصلنا إلى المدرسة، وعندما وقفت السيارة أبت حليمة النزول وأخذت تبكي وترتجف وكأنما هناك أمر يخيفها، فأخذت أشجعها، وألاطفها حتى استجابت ونزلت، وفجأة خرج لنا كلب من بين المنازل التي كانت تحيط بالمدرسة، وقد كان كلبا أصفر اللون، يلهث مخرجا لسانه، فقالت: أمي أقبل علينا الكلب، وأشعر بالخوف منه. قلت لها: نحن لا نخشى الكلاب؛ لأن الله معنا، وعلينا أن نقرأ آية الكرسي.
بدأنا نقرأ، ونحن متجهتان إلى المدرسة، وفجأة وصلت المرأة معترضة سبيلنا، ومدت يدها مصافحة، ونظرت في وجهي، وهنا شعرت بأن كل قواتي أصيبت بالشلل، ولكني قاومت هذا الشعور وانطلقت بابنتي إلى داخل فناء المدرسة، دون أن أنظر خلفي.
استودعت الله جل وعلا ابنتي وعدت أدراجي إلى المنزل، وأنا أتساءل هل هي ذات المرأة التي تظهر لي في صور عدة؟ فنفيت ان تكون هي، قائلة لنفسي: هذه سلمت علي وصافحتني ونظرت في عيني، إذا ليست هي.
وفي اليوم الثاني انطلقت مبكرة بحليمة إلى المدرسة وما تزال على حالها من بكاء ومعاندة. وصلنا المدرسة ولم نر شيئا غير طبيعي يذكر، تركت ابنتي في المدرسة، وعدت، وأنا في طريقي قررت الوقوف عند آلة الصراف الآلي، لصرف بعض النقود، وكان الوقت لا يزال مبكرا، أنجزت المعاملة وعدت إلى سيارتي، فهالني مرأى تلك المرأة التي ظهرت فجأة ولا أدري من أي اتجاه جاءت، فقلت: أعوذ بالله السميع العلي العظيم لقد جاءت، فأقفلت الأبواب، وبدأت أفتش عن تسجيل لسورة البقرة، ومن شدة الربكة لم أجده، فأخذت تضرب على زجاج السيارة الجانبي، طالبة مني فتح النافذة، ففتحت لها حتى النصف، واستجمعت قوتي، قائلة: تفضلي ماذا تريدين؟ فردت قائلة: إلى أين تذهبين؟ فقلت إلى منزلنا في هذا الاتجاه. فكأنما هذه الإجابة لم تعجبها، فسلطت علي نظراتها الحادة، وهي تردد قائلة: لست لك برفيقة، ألا ترين أني مريضة؟ ألا ترين أني أتألم من رجلي؟ فكنت أتشاغل عنها وكأني أبحث عن شيء ضاع مني، ثم بدأت تتباعد عني شيئا فشيئا، وكلما ابتعدت خطوات التفتت نحوي، وكأنها تتوعدني بشيء.
انطلقت دون أن أشعر وكنت قد خططت للمرور بمحطة تعبئة الوقود قبل ظهورها، فنسيت المحطة ولم أشعر إلا وأنا في المنزل، كيف سقت؟ كيف وصلت؟ لا أدري.
ومن يومها وحليمة تجلس في المنزل، وقد فاتها الفصل بأكمله، ونقلتها كالعادة في الفصل الثاني من الصف الرابع إلى مدرسة أخرى، وأخرى، ولكن لا جدوى، فشبح هذه المرأة يتبعنا أينما نتوجه.
أم عمر
22-7-2017م


الساعة الآن 11:26 PM.

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir

Ads Management Version 3.0.1 by Saeed Al-Atwi

جميع الحقوق محفوظة لدى الكاتب ومنتديات السلطنة الادبية